الحرب النفسية في سوريا: معركة الوعي والهوية

الكاتب: في السويداء استغلت حالة التهميش بعهد نظام البعث البائد لترويج مشاريع انفصالية وتحريك فلول أمنية مرتبطة بمراكز قوى سابقة (وكالة الأناضول)
  • الحرب النفسية في سوريا: من ضحية إلى ثائر يعيد بناء حضارته التليدة

منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم تكن الحرب مجرد صراع عسكري أو سياسي، بل تحولت إلى ساحة صراع نفسي مركب، استخدمت فيها أدوات الإعلام، والخطاب الطائفي، والتضليل، والتشويه، لتفكيك الإنسان السوري من الداخل. هذه الحرب غير المرئية، التي لا تقاس بعدد الضحايا أو حجم الدمار، تركت ندوبا عميقة في الوعي الجمعي، وأعادت تشكيل الهوية والانتماء.

لم تكن سوريا بمنأى عن التحولات، بل كانت ميدانا حيا لتجريب أدوات الحرب النفسية الحديثة، خاصة بعد الثورة، حيث استهدف المواطن السوري في وعيه، وانتمائه، وثقته بذاته ومجتمعه

جذور الحرب النفسية: من صن تزو إلى صدر الإسلام

الحرب النفسية ليست ابتكارا حديثا، بل لها جذور ضاربة في التاريخ؛ فقد تناولها المفكر الصيني صن تزو في كتابه "فن الحرب"، معتبرا أن "كسب الحرب دون قتال هو ذروة المهارة"، مشيرا إلى أهمية التأثير في معنويات الخصم قبل المواجهة العسكرية.

وفي السياق الإسلامي، واجه النبي محمد ﷺ في صدر الإسلام حربا نفسية شرسة، وظف فيها خصوم الدعوة أدوات الشائعات، والتشويه، والتخويف. ومن أبرز الأمثلة:

  • التشكيك في الرسالة: اتهم النبي ﷺ بأنه شاعر أو مجنون أو كاهن، كما في قوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6]، بهدف زعزعة ثقة الناس به.
  • التحريض الاجتماعي والاقتصادي: فرض حصار على بني هاشم في شعب أبي طالب، كوسيلة ضغط نفسي جماعي.
  • بث الشائعات داخل المدينة: كما في حادثة الإفك، التي استهدفت بيت النبوة، وكادت أن تفتك بالوحدة الاجتماعية للمجتمع المسلم.
  • الإرجاف في المعارك: في غزوة أحد، انتشرت شائعة استشهاد النبي ﷺ، مما أحدث اضطرابا في صفوف المسلمين، وكاد أن يؤدي إلى انهيار المعنويات.

هذه النماذج التاريخية تؤكد أن الحرب النفسية كانت دائما جزءا من أدوات الصراع، وأن الرد عليها لا يكون فقط بالقوة، بل ببناء المناعة النفسية، وتعزيز الثقة، والشفافية، والوعي الجماعي.

تطور الحرب النفسية حتى يومنا هذا

تطورت الحرب النفسية عبر العصور، من الشائعات البدائية إلى عمليات منظمة تدار عبر غرف استخباراتية وشبكات رقمية. ففي الماضي، كانت تشن عبر القصص والأساطير والرموز، ثم تحولت إلى أدوات دعائية خلال الحربين العالميتين، حيث استخدمت الملصقات والإذاعات لتأليب الشعوب. أما اليوم، فقد أصبحت الحرب النفسية أكثر تعقيدا، وتدار عبر:

إعلان
  • منصات التواصل الاجتماعي لبث الشائعات وتضخيم الأحداث.
  • الذكاء الاصطناعي والتحليل السلوكي لتوجيه الرسائل حسب الفئة المستهدفة.
  • الإعلام الموجه والممول خارجيا لتشكيل سرديات مضادة للهوية الوطنية.
  • الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية النفسية للمجتمعات عبر اختراق الخصوصية وبث الذعر.

في هذا السياق، لم تكن سوريا بمنأى عن هذه التحولات، بل كانت ميدانا حيا لتجريب أدوات الحرب النفسية الحديثة، خاصة بعد الثورة، حيث استهدف المواطن السوري في وعيه، وانتمائه، وثقته بذاته ومجتمعه.

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 44% من السوريين يعانون اضطرابات نفسية حادة

من الساحل إلى السويداء: كيف استهدفت الجبهات الداخلية؟

بعد استعادة الدولة السورية السيطرة على مناطق واسعة، لم تتوقف الحرب، بل تغيرت أدواتها. في الساحل السوري، شنت حملات إعلامية خارجية لتصوير المنطقة كمركز مغلق للنفوذ، وتغذية سرديات طائفية تهدف إلى تفكيك الهوية الوطنية.

أما في السويداء، فقد استغلت حالة التهميش -كغيرها من المحافظات السورية في عهد نظام البعث البائد- لترويج مشاريع انفصالية، وشيطنة الدولة والحكومة، وتحريك فلول أمنية مرتبطة بمراكز قوى سابقة. هذه الحملات لم تكن عفوية، بل جزءا من إستراتيجية "تفكيك الداخل من الداخل"، عبر استهداف الانتماء الوطني، وتغذية الانقسام الأفقي بين المكونات السورية.

آثار الحرب النفسية على المواطن السوري

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 44% من السوريين يعانون اضطرابات نفسية حادة. ومن أبرز الآثار التي شنت على المواطن خلال الثورة:

  • التهجير القسري وفقدان الاستقرار.
  • فقدان الأحبة والممتلكات، وما يرافقه من حزن مزمن.
  • الخطاب الإعلامي المتطرف من النظام البائد، الذي غذى الانقسام والشك.
  • غياب الدعم النفسي الرسمي، وترك الأفراد عرضة للصدمات.

هذه الآثار لم تكن نتائج جانبية، بل جزءا من إستراتيجية ممنهجة لتفكيك الإنسان السوري وتحويله إلى ضحية دائمة.

يرى المفكر مالك بن نبي أن الاستعمار لا ينجح إلا عندما يجد "قابلية" داخلية لدى الفرد، تتمثل في ضعف الوعي، والاستسلام للخطاب الخارجي

غياب علم النفس الحربي في سوريا والعالم العربي

في كتابه "علم النفس والمخابرات"، يشير د. عمر هارون الخليفة إلى أن العالم العربي لم يطور أدوات علم النفس الاستخباري، ولم يستثمر في فهم العقل الجمعي للخصم أو المواطن. وفي سوريا، لا تزال مؤسسات الدولة تفتقر إلى إدارات متخصصة في هذا المجال، رغم الحاجة الماسة إليها في ظل الحروب المعاصرة.

كيف تدير الدول الكبرى الحرب النفسية؟

  • الولايات المتحدة تمتلك وحدة PSYOP التابعة للبنتاغون، وتعنى بالتأثير في الرأي العام، ودعم العمليات العسكرية عبر الإعلام والمحتوى الرقمي.
  • بريطانيا أنشأت اللواء 77، وهو وحدة متخصصة في الحرب المعلوماتية، تستخدم وسائل التواصل لتضليل الخصوم.
  • إسرائيل تدير الحرب النفسية من خلال وحدة داخل الجيش، تعمل على اختراق الاتصالات، وبث الشائعات، وتنسيق الرسائل مع الإعلام الرسمي.

هذه الإدارات لا تعمل بمعزل عن وزارات الخارجية والدفاع، بل تدمج ضمن إستراتيجية وطنية شاملة.

الحرب النفسية في سوريا ليست فصلا عابرا، بل ساحة صراع مستمر، والانتصار فيها لا يكون بتحرير الأرض فقط، بل بتحرير العقل، وبناء الإنسان الذي لا يهزم من الداخل

من "الإنسان القابل للاستعمار" إلى الإنسان الثائر الباحث عن مجد أمته

يرى المفكر مالك بن نبي أن الاستعمار لا ينجح إلا عندما يجد "قابلية" داخلية لدى الفرد، تتمثل في ضعف الوعي، والاستسلام للخطاب الخارجي. ولذا فإن بناء الإنسان السوري لا يكون فقط عبر إعادة الإعمار المادي، بل عبر:

إعلان
  • إدماج التربية النفسية في المدارس.
  • دعم الإعلام الوطني برسائل تعبوية إيجابية.
  • تدريب الشباب على التفكير النقدي.
  • تعزيز الهوية الثقافية والانتماء الوطني.

إن المواطن السوري ليس ضحية فقط، بل إنه اليوم ثائر وحامل وعي حضاري راسخ في القدم، يعيد بناء وطنه على أسس الوعي والمناعة النفسية، ويستعيد حضارته التليدة التي قاومت الغزاة عبر القرون، لا بالسلاح فقط، بل بالثقافة والهوية والوعي والإيمان.

توصيات لمواجهة الحرب النفسية

  • إنشاء إدارات متخصصة في الحرب النفسية داخل وزارات الخارجية، والإعلام، والدفاع، والداخلية.
  • إدماج علم النفس الحربي في المناهج الأكاديمية.
  • إطلاق حملات إعلامية وطنية تعزز الهوية السورية الجامعة.
  • دعم برامج الصحة النفسية المجتمعية، خاصة للأطفال والنساء.
  • بناء شراكات مع منظمات دولية لتطوير أدوات الدعم النفسي.
  • تعزيز دور الأسرة السورية مصدرا للاتزان والانتماء.

الحرب النفسية في سوريا ليست فصلا عابرا، بل ساحة صراع مستمر، والانتصار فيها لا يكون بتحرير الأرض فقط، بل بتحرير العقل، وبناء الإنسان الذي لا يهزم من الداخل. وكما قال مالك بن نبي: "الاستعمار لا يدخل من الباب، بل من الفراغ الذي نتركه في نفوسنا".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان