أحيانا نقف قليلا، رغم زخم الحياة وضجيجها، حيث تلم الأسئلة شتاتها منهالة على العقل البشري: ماذا يحدث؟ ما الذي نخوضه؟ ولماذا نستميت للمواصلة قدما؟ إلى أين نمضي؟
هذه الأسئلة لن يجاب عنها ما دام الإنسان يتبناها ويطرحها دون فهمها فهما دقيقا كافيا للسعي نحو الجواب؛ فالسؤال الذي لا يفهم لا يجاب. ومن يبحث عن إبرة في كومة قش ليس كمن يبحث عن قشة في كومة قش.. أليس ضربا من العبث؟!
فأهم خطوة في مرحلة فهم السؤال هي تحديد صحة السؤال من عدمها؛ إذ إن بعض الأسئلة هي بذاتها مغالطة منطقية لا تصاحبها إجابة. فهل تتضمن تلك المغالطات بعض الأسئلة الكبرى التي يطرحها الإنسان؟ كثير من الأسئلة الكبرى مبنية على أساس معتل منطقيا، فهنا لا يكون للسؤال المبني إجابة منطقية بالضرورة. فمنطقيا، هل السؤال: "لماذا البقرة من الزواحف؟" صحيح؟ علما بأن البقرة من الثدييات لا الزواحف.
إذن، بعض الأسئلة الوجودية الكبرى تتجاوز محدودية الإنسان العقلية، بحكم محدودية المنطق على العالم المحيط، وأنه لا يخرج إلى نطاق أبعاد أخرى تتبنى قواعد مغايرة. فالمنطق تماما مثل القوانين التي تتناسب مع لعبة ما، لكن حين الانتقال إلى لعبة أخرى يتجرد، ثم يتبنى منطق اللعبة الأخرى، ولا يمكنك معرفة نظم اللعبة الأخرى ما لم تعرف منطقها.
بعكس المنظور السائد، فإن الإنسان قد لا يسعى دائما إلى الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الإجابة التي تنهي قلقه الوجودي وتطمئن نفسه
دعني أروِ لك قصة تعود أحداثها لآلاف السنين: وصل رجل إلى بلدته مسرعا، وقد ارتسمت ملامح البشارة على وجهه، وبمجرد أن وصل تناقل أهل ضاحيته خبرا رواه لهم عما حصل معه حين كان غائبا؛ وفيه أنه كان مشعلا ناره وسامرا وحده في مغارة، فإذا بأصوات خشخشة حذاء خشبي تدنو منه، حتى رأى مسنا مادا ذراعه يناوله لوحا منقوشا فيه كلمات تحمل في طياتها إجابات لكبرى تساؤلات الإنسان، كما زعم المسن.
يقول: حينما ناولني ذاك الرجل المتوهج اللوح، لم يخبرني سوى بادعائه أن ما في اللوح من الإجابات هو الحقيقة. أشد ما قاساه الإنسان فكريا وأرق بسببه قد وجد إجابته المزعومة؛ إجابة معنى الحياة وأسئلة الوجود.
حينما أنهى الرجل روايته، ارتسمت على أهل ضاحيته ملامح الدهشة والفضول. يا لعجب القصة، ويا لعظمتها! فهي مدهشة، كما أنها عظيمة لإجابتها عن الأسئلة التي أرقت الإنسان منذ ولادته.
الأمر الصادم أن ما حصل لم يكن فريدا من نوعه، بل تكرر مئات أو آلاف المرات منذ فجر التاريخ. والأهم أن كل قصة مثل هذه لا تحكى فحسب، بل إنها في كل مرة تغير مجرى التاريخ البشري تغييرا حادا أو طفيفا؛ قصة مفادها أن الإنسان، بمجرد أن يجد إجابات لأكثر الأسئلة إلحاحا، سيتبناها ليكبت جماح الأسئلة، وليس بالضرورة لاقتناعه بمنطقها.
لا شك أن التمرد وليد الرضوخ، وأن السعي نحو الحقيقة وليد الفضول، وهذان يدفعان إلى التقدم ولو لم تشأ الظروف. ألا يكفيك، في زخم الانتماءات والكسل الفكري الجمعي، أن تكون موجودا؟
بعكس المنظور السائد، فإن الإنسان قد لا يسعى دائما إلى الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الإجابة التي تنهي قلقه الوجودي وتطمئن نفسه؛ فالإنسان لحوح في سعيه إلى الاستقرار الذي غالبا ما يقدم على الحقيقة.
فكل حضارة انتهجت نهجا مختلفا في التصور عن الإله والكائنات الماورائية، وتعددت الآلهة أو وحدت حسب المجتمعات، وحسب حدود وعيها ومعرفتها. والأمر الغني عن الذكر أن الجميع يمتلكون ذات العقل البشري، الذي استطاع أن يتصور آلافا مؤلفة من الآلهة المختلفة، كما أنهم أنفسهم اعتقدوا في أزمانهم أن ما يعبدونه ويعتقدونه هو الصواب، حتى تداركهم الزمان بخطئهم.
المدهش أن البشرية، وهذا مشهود تاريخيا، تقترب يوما تلو يوم من الإدراك العلمي لطبيعة العالم من حولنا، برغم الكبت والقمع اللذين صاحبا المجتمعات، السابقة تحديدا، وحجما التفكير الإنساني البريء عن إدراك حقائق بسيطة.
ولا شك أن التمرد وليد الرضوخ، وأن السعي نحو الحقيقة وليد الفضول، وهذان يدفعان إلى التقدم ولو لم تشأ الظروف. أفلا يكفيك، في زخم الانتماءات والكسل الفكري الجمعي، أن تكون موجودا؟ قال ديكارت: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"؛ ومن لا يفكر فهو ليس بموجود. أخرج نفسك من وحشة العدم إلى ضوء الوجود، وفكر.
آسى، ويأسى معي كل عاقل دون شك، أن يطوى القرن الحادي والعشرون وما زال في الوجود من يقمع الفكر بحجة الانتماء، وينتهك الحقوق بحجة العدالة. ما زال، ولا يزال، دفء الأمل يدفئني ويدفئ كل عاقل ما دام هناك شخص واحد يسعى إلى التفكير؛ ويا له من نبيل ذاك الذي يفكر!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

