أتذكر عبارة قرأتها للفيلسوف جان جاك روسو في كتابه "العقد الاجتماعي"، إذ قال: "الاستبداد هو علاقة تبعية بين الحاكم والمحكوم، ويقوم على قبول أو صمت الشعب".
وفي بلادنا العربية، قد تتغير الوجوه، وتتجدد الشعارات، وتعاد صياغة الوعود، لكن الثابت أن ما ينتج "الفرعون" في مجتمعاتنا ليس فقط طموحه، بل قبول الناس به، أو على الأقل صمتهم عنه.
في هذا السياق، لا يعود الحاكم وحده هو صاحب السلطة، بل إن الجماهير أيضا شريكة في بنائها، أو في السكوت عنها. وبهذا، لا يمكن فهم الاستبداد بوصفه فردا طاغية فقط، بل منظومة نفسية واجتماعية يصوغها الجميع، بشكل مباشر أو غير مباشر.
"الفرعون" لا يصنع بالقوة فقط، بل بالخطاب؛ إذ يبدأ الأمر من تمجيد إنجازاته، وتبرير أخطائه، إلى أن يصبح النقد ضربا من الجرأة المرفوضة
عبء الجماهير قبل عبء الحاكم
ليست السلطة في المجتمعات الاستبدادية مجرد تسلط من الأعلى، بل هي منظومة قائمة على "التعود والتبرير والامتثال". والجماهير، في كثير من الأحيان، قد اعتادت على النمط الواحد، والخطاب الواحد، والرأي الواحد، حتى بات أي اختلاف مريبا، وأي نقد خيانة.
وهنا تتحول السلطة إلى نوع من "العرف الاجتماعي"، ولا تكون قرارا سياسيا فقط؛ فحين يرفض الناس النقد، ويستهزئون بالمعارِض، ويبررون الغلاء، ويصفقون للقمع، فإنهم لا يدافعون عن الحاكم فقط، بل يحمون الوهم الذي ارتضوه.
كيف يصنع "الفرعون" مجده؟
"الفرعون" لا يصنع بالقوة فقط، بل بالخطاب؛ إذ يبدأ الأمر من تمجيد إنجازاته، وتبرير أخطائه، إلى أن يصبح النقد ضربا من الجرأة المرفوضة، وهنا تصبح الجماهير نفسها هي التي تنصب الطغيان على العرش.
يبرع الحاكم في رسم صورة مخلدة له في الأذهان: من الأب، إلى الرمز، إلى القائد الضرورة. كل ذلك مدعوم بجوقة من الإعلاميين، والمطبلين، وأصحاب الامتيازات، ممن يتغذون على فتات السلطة، ويغذون بها عقل المواطن البسيط.
لكن الأخطر من ذلك أن السلطة توهم الجماهير بأن الخيار الآخر "أسوأ دائما"، فلا بديل سوى ما هو قائم، ولا نجاة إلا بالتطبيل. وهكذا، يصبح بقاء الاستبداد "ضرورة وطنية"، لا طغيانا سياسيا.
حين تفقد الشعوب قدرتها على السؤال
الخطر الأكبر ليس في الاستبداد ذاته، بل فيما ينتجه من عقلية اجتماعية لا ترى في الاختلاف فضيلة، ولا في المعارضة حقا. بذلك تذوب الأسئلة، ويتآكل النقد، ويتحول المواطن إلى "مشاهد دائم" في مسرح لا يسمح له بالصعود على الخشبة.
ومع الوقت، تتكون لدينا أجيال تجهل الفرق بين الحرية والانفلات، وبين الولاء والانبطاح، وبين الوطنية والتصفيق. هكذا، ينتج "الفرعون" شعبا يراه مرآته لا رقيبه، وصدى صوته لا ضميره.
إن "الفرعون" لا يولد في القصر، بل في عقل الجماهير التي تسوغ له البقاء، ويخرسها الخوف أو المصلحة أو العادة، وكلما أعيد إنتاج الخوف، أعيد معه إنتاج الفرعون
صناعة البديل تبدأ من الوعي
البديل لا يولد من الفوضى، بل من "الوعي المجتمعي"؛ فحين يدرك الناس أن السلطة ليست هبة بل مسؤولية، وأن الحاكم يحاسب لا يقدس، يبدأ التحول. لا نحتاج إلى معجزات، بل إلى ثقافة مساءلة، وحق في الاعتراض، ووعي بأن الخضوع ليس أمرا محتوما، بل خيارا يمكن رفضه.
في دول كثيرة مرت بحقب استبدادية، كان التغيير الحقيقي يبدأ من القاعدة: من أسئلة صغيرة في المقاهي، إلى احتجاجات في الشوارع، إلى بناء مؤسسات ترعى الحقوق لا تبرر الغلبة.
لماذا هذا المقال الآن؟
لأننا، في العالم العربي، نعيش لحظة دقيقة.. كثير من الدول تتحدث عن الإصلاح، والرؤية، والمستقبل، فيما بنية الاستبداد لا تزال قائمة. يقال إن المواطن بات شريكا، لكن الشراكة الحقيقية تعني المساءلة لا التهليل، والمشاركة لا التصفيق.
إن "الفرعون" لا يولد في القصر، بل في عقل الجماهير التي تسوغ له البقاء، ويخرسها الخوف أو المصلحة أو العادة، وكلما أعيد إنتاج الخوف، أعيد معه إنتاج الفرعون.
إسقاط الصنم يبدأ من العقل
لا نكتب هذا المقال للإدانة، بل للاستفاقة.. لن نصير أحرارا حين نطيح بالطاغية فقط، بل حين نكف عن صناعته في وعينا، وفي أطفالنا، وفي مدارسنا، وفي إعلامنا.
لقد آن الأوان لنكف عن تصدير "الأعذار الوطنية" لتبرير الصمت، وأن ندرك أن الدولة القوية تبنى بمواطن قوي لا مطيع؛ فالصمت المستمر ليس حيادا بل هو تواطؤ، وإن كنا حقا نريد مستقبلا مختلفا، فعلينا أن نبدأ من سؤال بسيط: لماذا نرضى بفرعون، ونحن من صنعه؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

