يبدو أن ما يثقِل الوعي الفلسطيني اليوم ليس الحصار والركام فقط، بل أيضا الإحساس العميق بأن العالم اعتاد رؤية المأساة، حتى صارت مشاهد الدمار والطفولة المقطعة تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار.
إن فلسطين، التي كانت يوما مركز الضمير الإنساني، تواجه الآن بجدار من التجاهل لا يقل صلابة عن جدار الاحتلال.
غزة: الجوع بوصفه سلاحا
في غزة، لم تعد الحرب تدار بالصواريخ وحدها، بل بالجوع أيضا؛ فقد حوصرت المدينة حتى تحول الخبز إلى حلم، والماء إلى معركة، والدواء إلى معجزة، ولم يعد الناس هناك ينتظرون نهاية الحرب، بل نهاية اليوم وهم أحياء.
هذا الجوع ليس نتيجة جانبية للحرب، بل أداة إستراتيجية تهدف إلى كسر إرادة الناس، وتجريدهم من القدرة على الحياة، وهنا تكمن المأساة: أن يتحول الطعام إلى سلاح، وأن يترك الأطفال للموت البطيء تحت نظر العالم، في زمن يدعي فيه الجميع الدفاع عن حقوق الإنسان.
ربما السؤال الأخطر الآن ليس: ماذا يفعل الاحتلال؟ بل: ما الذي يفعله العالم؟ كيف يمكن أن تصنف مجاعة غزة بأنها "أزمة إنسانية" لا "جريمة حرب"؟
الضفة الغربية: هندسة الخوف
وفي الضفة، تتكامل أدوات السيطرة ببطء ودقة، إذ لم يعد الاحتلال يكتفي بالرصاص، بل يزرع الخوف كمنهج حياة: اقتحامات ليلية، وحواجز تخنق المدن، وعقوبات جماعية تجرد الفلسطيني من إنسانيته في وضح النهار.
تبدو الضفة اليوم مختبرا لسياسات "الاحتلال الذكي"، حيث يعاد رسم الجغرافيا والديمغرافيا معا لإنتاج واقع جديد، يجعل فكرة الدولة الفلسطينية مجرد ذكرى مؤجلة.
العالم الذي يرى ولا يفعل
ربما السؤال الأخطر الآن ليس: ماذا يفعل الاحتلال؟ بل: ما الذي يفعله العالم؟ كيف يمكن أن تصنف مجاعة غزة بأنها "أزمة إنسانية" لا "جريمة حرب"؟ وكيف يمكن أن تبرر إبادة أحياء كاملة تحت شعار "حق الدفاع عن النفس"؟
لقد تحول المجتمع الدولي من مشاهد صامت إلى شريك غير مباشر بصمته، وعجزه، وانتقائيته الأخلاقية. إن اللامبالاة هنا ليست موقفا حياديا، بل شكلا آخر من أشكال المشاركة في الجريمة.
الإعلام والرواية: معركة الصورة والكلمة
وسط هذا الخراب، تبقى الكلمة آخر أشكال المقاومة الممكنة؛ فالإعلام المقاوم- وفي مقدمته الجزيرة- أعاد للوجع الفلسطيني صوته ووجهه، فكشف ما حاول الاحتلال طمسه من حقيقة الإنسان هناك: أنه ليس رقما في قائمة ضحايا، بل حياة كاملة تسحق كل يوم.
ومع ذلك، فإن معركة السرد لم تحسم بعد، فالعالم المأسور بخطاب القوة يحتاج إلى لغة تذكره أن ما يحدث في غزة والضفة ليس "صراعا"، بل هو استعمار مستمر، وأن كل بيت يقصف هناك هو فصل جديد من تاريخ لم يكتب بعد.
في زمن يقاس فيه الإنسان بمدى فائدته السياسية، تظل فلسطين معيارا أخلاقيا يفضح هشاشة هذا العالم.. هي تختصر سؤالا بسيطا لكنه موجِع: كيف يمكن للبشرية أن تدعي التمدن، وهي تعجز عن إنقاذ طفل يبحث عن شربة ماء في غزة؟
ما بعد الركام: أسئلة الوجود والبقاء
ما الذي تبقى للفلسطيني اليوم بعد كل هذا؟ تبقى الوعي بأن البقاء نفسه فعل مقاومة، وتبقى الإيمان بأن الهوية لا تمحى بالقصف، وأن الذاكرة أقوى من الجدار.. تبقى الأمل، لا بوصفه وهما رومانسيا، بل كفعل يومي يواجه اليأس بالعناد.
فلسطين، رغم كل شيء، لا تزال تعيد تعريف مفهوم الحياة، ليس لأنها تعيش، بل لأنها ترفض الموت كخيار.
في زمن يقاس فيه الإنسان بمدى فائدته السياسية، تظل فلسطين معيارا أخلاقيا يفضح هشاشة هذا العالم.. هي تختصر سؤالا بسيطا لكنه موجِع: كيف يمكن للبشرية أن تدعي التمدن، وهي تعجز عن إنقاذ طفل يبحث عن شربة ماء في غزة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
