اليمن بين مركز الدولة ومسارات التشظي المسلح

تحالف دعم الشرعية استهدف أسلحة وعربات قتالية بعد وصولها على متن سفينتين لميناء المكلا اليمني (الفرنسية)

المشهد اليمني الراهن يظهر كمجال مفتوح لتحولات معقدة في مفهوم الدولة والسلطة والشرعية، إذ لا يمكن قراءته عبر الوقائع العسكرية والسياسية وحدها، وإنما من خلال تحليل البنية العميقة التي تتحكم في الوعي الجمعي والعلاقات بين الفاعلين المحليين والإقليميين. فالصراع اختبار شامل لمعنى السيادة وحدود الهوية الوطنية في سياق هش وبطيء التحول.

تاريخ الدولة اليمنية الحديثة يقوم على محاولة مستمرة لتوحيد المجال السياسي والاجتماعي داخل إطار مركزي. غير أن هذه المحاولة اصطدمت، عبر عقود، بموروث اجتماعي شديد التعقيد يقوم على تعدد الولاءات، وتداخل السلطة القبلية مع السلطة السياسية، وتباين التجارب التاريخية بين مناطق الشمال والجنوب.

وعندما ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه فاعلا سياسيا مسلحا، جاء ذلك كامتداد لهذا السياق داخل ظرف إقليمي جديد، حيث امتزجت المصالح المحلية بالدعم الخارجي، وتحول السلاح إلى أداة لإعادة توزيع القوة.

في هذا السياق، يمثل مجلس القيادة الرئاسي إطارا يسعى إلى استعادة مركزية الدولة وإعادة ضبط العلاقة بين القوة المسلحة والقرار السياسي.

غير أن محدودية قدرته على احتكار القوة تكشف عن إشكالية أعمق تتجاوز الأشخاص والمؤسسات، وتصل إلى سؤال الفلسفة السياسية للدولة ذاتها. فالدولة الحديثة تفترض وجود عقد سياسي تتحدد فيه سلطة القانون فوق سلطة القوة، بينما يعكس الواقع اليمني وضعا تتحرك فيه الفصائل المسلحة وفق معادلات مصلحية تتقدم على المرجعية القانونية. هذا الانفصال بين الشكل المؤسسي والممارسة الواقعية يجعل مفهوم الشرعية عرضة لإعادة التأويل وفق موازين القوة الميدانية.

إن العملية العسكرية السعودية الأخيرة في ميناء المكلا، وما رافقها من تغير في لهجة الرياض تجاه ديناميات القوة في الجنوب، عكست انتقالا في إدراك الفاعل الإقليمي طبيعة التوازنات.. فالموقف السعودي يتحرك وفق اعتبارات الاستقرار الإقليمي وأمن المجال الحدودي

يزعم المجلس الانتقالي، المدعوم إماراتيا، أنه ممثل لمطالب الجنوب وهويته التاريخية، غير أن تحركاته العسكرية خارج الأطر التوافقية تضعه ضمن منطق القوة المتمردة، حيث تصبح السيطرة الميدانية مصدرا للشرعية السياسية.

إعلان

هذا التحول يعيد إنتاج منطق الدولة متعددة المراكز، كتأسيس لبيئة سياسية تتراجع فيها الهوية الوطنية الجامعة، وتتقدم فيها الهويات المناطقية كبدائل عملية للسلطة المركزية. وعلى الصعيد السياسي، تشكل هذه الظاهرة لحظة انتقالية خطرة، لأن تعدد مراكز القوة يؤدي إلى تفكك الوظيفة الجوهرية للدولة التي تقوم على تنظيم العنف ضمن إطار واحد.

وما هو مثير للريبة إعلان طارق صالح تأييده للانتقالي، ثم انتقاله إلى موقع الانقسام داخل بنية السلطة. هذا الأمر يعكس أزمة أعمق في مفهوم التحالف السياسي، فالشعارات المرتبطة بالجمهورية ووحدة الصف التي ظل يرفعها طارق صالح لسنوات تلاشت في لحظة بسيطة، ما إن تعرضت لاختبار عملي تعارضت فيه مع شبكات المصالح والتحالفات الإقليمية.

لذا فإن هذا التناقض يفسر التباعد بين الخطاب السياسي المعلن والخطاب الضمني الذي تحركه الحسابات الواقعية. ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا الوضع باعتباره صراعا بين خطاب يقوم على قيم رمزية للدولة، وممارسة تقوم على منطق براغماتي يضع بقاء النفوذ في مقدمة الأولويات، وهو ما جسده طارق صالح.

إن العملية العسكرية السعودية الأخيرة في ميناء المكلا، وما رافقها من تغير في لهجة الرياض تجاه ديناميات القوة في الجنوب، عكست انتقالا في إدراك الفاعل الإقليمي طبيعة التوازنات. فالموقف السعودي يتحرك وفق اعتبارات الاستقرار الإقليمي وأمن المجال الحدودي.

لكن عندما تحولت الفصائل الحليفة إلى كيانات ذات مشروع مستقل عن بنية الشرعية، أصبح ضبط المشهد ضرورة إستراتيجية. هذا التحول لا يعني تبدلا جذريا في المواقف، بقدر ما هو إعادة صياغة للعلاقة بين الحليف الخارجي والفاعل المحلي ضمن حدود السيطرة الممكنة.

الصراع الدائر اليوم يمكن توصيفه باعتباره صراعا بين مشروعين. الأول يقوم على مركزية الدولة واحتكارها للقوة الشرعية، وإعادة دمج الفصائل المسلحة داخل هياكل مؤسسية. والثاني يقوم على تعدد مراكز السيطرة واعتماد القوة الميدانية كأداة سياسية مستقلة

إن خطاب رشاد العليمي عقب العملية وجد صداه في المجتمع اليمني، لأن محتواه ارتبط بإعادة تفعيل تصور الدولة بوصفها مرجعية أعلى. هذا التفاعل لا يعود إلى مضمون لغوي، وإنما إلى استعادة شعور عام بأن السلطة المركزية لا تزال قادرة على إنتاج قرار سياسي ينتسب إلى فكرة الدولة، لا إلى مصالح فصيل محدد.

ومن زاوية أخرى، يمكن القول إن أي خطاب سياسي يحظى بقبول اجتماعي واسع هو الخطاب الذي يعيد ربط المجتمع بالمعنى المؤسسي للدولة، حتى عندما تكون أدوات القوة المادية محدودة.

مع ذلك، فإن التمرد المعلن من داخل مجلس القيادة الرئاسي يؤكد أن الأزمة داخلية أيضا. فوجود انقسام داخل مركز السلطة يوضح أن المجلس نفسه يعكس توازنات متعارضة أكثر مما يعكس وحدة قرار.

هذا الوضع يضع الدولة في موقع هش، لأن البنية التي يفترض أن تقود عملية التوحيد تتحول إلى ساحة تنازع داخلي. ومن منظور فلسفة الحكم، يعني هذا أن الدولة في اليمن لا تزال في مرحلة بحث عن نموذج جامع، لا في مرحلة ترسيخ نهائي لمعالمها.

إعلان

الصراع الدائر اليوم يمكن توصيفه باعتباره صراعا بين مشروعين. الأول يقوم على مركزية الدولة واحتكارها القوة الشرعية، وإعادة دمج الفصائل المسلحة داخل هياكل مؤسسية. والثاني يقوم على تعدد مراكز السيطرة واعتماد القوة الميدانية كأداة سياسية مستقلة.

كلا المشروعين لا يتحرك في فراغ، وإنما في سياق إقليمي تتداخل فيه مصالح دول كبرى إقليميا، وتتشابك فيه الحسابات الأمنية والاقتصادية. هذا التداخل يجعل مسار الصراع غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويحول اليمن إلى مساحة تتقاطع فيها إستراتيجيات مختلفة حول شكل النظام السياسي الممكن.

يكشف الوعي الشعبي عن تمسك واضح بفكرة الوحدة بوصفها قيمة تاريخية. هذا التمسك لا يتأسس فقط على إدراك عملي لمخاطر التشظي، فالتجربة المعاصرة في الإقليم تؤكد أن تفكك الدول يؤدي إلى سلسلة من النزاعات الممتدة، ويضع المجتمع في حالة انتقال دائم، إذ يمنح الفصائل المسلحة قدرة متزايدة على التحكم في الموارد والمسارات.

لذلك، يشكل ظهور الموقف الشعبي عاملا مقاوما لمحاولات تفكيك المجال الوطني، حتى عندما تبدو الدولة المركزية ضعيفة.

الصراع في اليمن ليس صراعا حول النفوذ فحسب، بل هو صراع حول سؤال أعمق يتعلق بقدرة الكيان السياسي على الاستمرار كوحدة تاريخية

المشهد اليمني في لحظته الراهنة يعبر عن انتقال من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة الصراع المركب داخل المعسكر المناهض للحوثيين. هذا الانتقال لا يعني نهاية الحرب، وإنما تغير طبيعتها من مواجهة مع خصم واضح إلى صراع داخل مجال يفترض أنه موحد سياسيا.

ومن زاوية تحليل بنيوي، تمثل هذه الحالة أخطر مراحل النزاع، لأن تآكل الوحدة الداخلية يؤدي إلى تفكيك القدرة على التفاوض الخارجي، ويضعف أي إمكانية لإنتاج تسوية شاملة.

في ضوء هذه المعطيات، يتحدد مستقبل اليمن وفق مجموعة شروط أساسية:

  • أولها قدرة مجلس القيادة الرئاسي على استعادة احتكار القرار العسكري وربط القوة المسلحة بالشرعية المؤسسية.
  • وثانيها توافق الفاعلين الإقليميين على دعم نموذج الدولة المركزية وعدم رعاية مشاريع موازية.
  • وثالثها وجود مسار سياسي واضح يحدد علاقة القوى المحلية بالمؤسسات السيادية وفق قواعد ملزمة.

غياب هذه الشروط سيقود إلى تثبيت واقع مناطق نفوذ، حيث تصبح الجغرافيا مقسمة وظيفيا بين جماعات مسلحة، ويتحول الاقتصاد إلى شبكة مصالح محلية مرتبطة بداعمين خارجيين. الصراع في اليمن ليس صراعا حول النفوذ فحسب، بل هو صراع حول سؤال أعمق يتعلق بقدرة الكيان السياسي على الاستمرار كوحدة تاريخية.

أي مسار يقود إلى توحيد القوة في إطار الدولة سيعيد تشكيل المجال العام وفق منطق مؤسسي. وأي مسار يرسخ تعدد السلطات سيحول اليمن إلى فضاء تتعايش فيه سلطات متوازية دون مرجعية جامعة.

وفي هذه اللحظة التاريخية، يتحدد اتجاه المستقبل وفق تفاعل معقد بين إرادة الدولة، وموقف المجتمع، وديناميات الإقليم، وحدود القوة التي يمتلكها كل طرف داخل هذا المشهد المتشابك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان