في ذكرى مولد النبي وفي ظلال محرقة غزة

صور خاصة للجزيرة نت تظهر حجم الدمار الذي لحق بمحافظة شمال قطاع غزة (4)
الكاتب: المطلوب منا اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في ذكرى ولادته وفي تعاملنا مع مأساة غزة وجراحاتها النازفة (الجزيرة)

مرت علينا هذه الأيام ذكرى ميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- ونحن لا بل والإنسانية في أشد الأوقات بحاجة لتجديد المفاهيم والقيم التي جاء بها رسول الرحمة والعدالة والأخلاق النبيلة السامية، والحياة في معانيها وظلالها. ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

الراحمون يرحمهم الله

الإسلام دين الرحمة وتمتد رحمته لتشمل أوقات السلم والرخاء والحرب والشدة. فعن بريدة- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا) رواه البخاري.

امتدت رحمة الإسلام حتى إلى الحيوان

عن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (عُذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) متفق عليه.

عالمنا اليوم موغل بالمادية التي طغت على حياة البشر، فصار الاهتمام بالجسد وشهواته على حساب القلب وطمأنينته والروح وحاجاتها وأشواقها، فاضطربت حياة الناس

سأل الصحابة الرسول: وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: (في كل كبد رطبة أجر). وفي حديث آخر في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: (بينما كلب يُطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت مُوقها فسقته فغفر لها به).

هذه هي رسالة الإسلام الرحمة والهداية للبشرية..

عالمنا اليوم موغل بالمادية التي طغت على حياة البشر، فصار الاهتمام بالجسد وشهواته على حساب القلب وطمأنينته والروح وحاجاتها وأشواقها، فاضطربت حياة الناس وعمّ الحزن، وهو من أهداف الشيطان: (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله)، وضاقت الصدور وتقطعت الأرحام وازدادت نسب الاكتئاب والقلق.

إعلان

تأمل أخلاق الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتوجيهات الإسلام في الرحمة في كل وقت بما فيها الحروب، وفي العدل والإنصاف وإقامة العدل والميزان بين الناس، وتأمل وحشية الاحتلال في غزة والذي يمارس حرب إبادةٍ وتجويعٍ وتعطيش وحرمان الأطفال والنساء والشيوخ من جميع مقومات الحياة، والتي وصلت في يوم ذكرى الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى 700 يوم.

أطفال غزة يموتون جوعا وقصفا وقنصا ولنقص الحليب والدواء… أي عالم هذا الذي نعيش فيه وهو يرى وعلى الهواء مباشرة مجازر يومية وكأنها مسرحيات غير واقعية؟.. كيف يهنأ لمن في قلبه ذرة من الرحمة والإنسانية بمنام وطعام، وشعب كامل محاصر بوحشية، ويقتل بقسوة؟

إن بطولة وتضحيات وثبات أهل غزة ورضاءهم بقضاء الله وقدره ومما لا تقوى على حمله الجبال، هو- والله- من آيات الله التي دفعت العديد من الغربيين واليابانيين وغيرهم لاعتناق الإسلام، بعد أن عايشوا ورأوا، ماذا يفعل الإيمان بالإنسان وكيف يقويه في مواجهة محن عاتية وأحوال قاسية.

قال تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما).

إن ثبات وإيمان أهل غزة غيّر ويغير العالم بإذن الله.. لقد تحرك الخير في قلوب الكثيرين في الغرب، في كندا، في أوروبا وأميركا، وأميركا الجنوبية، وزالت عن عيون كثيرين غشاوة وضعها بينهم وبين الحقيقة إعلام مسموم يريد أن يحول البشر لقطعان لا همّ لهم سوى الشهوات والماديات؛ ليسيطر على قراراتهم وثرواتهم.

في أحد المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي سيدة غربية تتكلم وهي تجهش في البكاء مخاطبة أهل غزة فتقول: شكرا أهل غزة لقد تعلمنا منكم الكثير، لقد جعلتم لحياتنا معنى.

كم مرة تُليت وقُرئت وصية أنس الشريف من مشاهير في أرجاء المعمورة وبلغات عديدة ومتعددة وكان كثير منهم يبكون تأثرا بالمعاني الإيمانية والإنسانية والتي وردت فيها.

المطلوب منا اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في ذكرى ولادته وفي كل وقت وحين، وأن نقتدي به- صلى الله عليه وسلم- في كل أمورنا وفي تعاملاتنا، وفي تعاملنا مع مأساة غزة وجراحاتها النازفة

أسطول الحرية والمكون من عشرات السفن ومئات الناشطين يشق طريقه إلى غزة ليكسر حصار القتلة والطغاة وعلى متن السفن مئات الناشطين من نحو 50 دولة، رافعين أعلام فلسطين متحررين من الخوف والتردد، يلبون نداء غزة الإنساني في ملحمة إنسانية رائعة وبديعة.

قال تعالى: (يٰٓأيها الناس إنا خلقنٰكم من ذكر وأنثى وجعلنٰكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا).

المطلوب منا اتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- في ذكرى ولادته وفي كل وقت وحين، وأن نقتدي به- صلى الله عليه وسلم- في كل أمورنا وفي تعاملاتنا، وفي تعاملنا مع مأساة غزة وجراحاتها النازفة.

يقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

إعلان

فلنساند أهلنا وإخوتنا في غزة بالدعاء والمال ودعم قضيتهم سياسيا وإعلاميا، وفي كل الميادين والمحافل، ولا يقلل أحدكم من شأن أي عمل يقوم به ما دام هذا العمل خالصا لله، فعلينا أن نفعل ما نستطيع ونطيق، والله هو المدبر، وهو على كل شيء قدير، ثم إن النصرة فريضة وواجب، وليس من مسؤوليتنا النتائج، ولكن من واجبنا العمل بما وهبنا الله من قدرات وإمكانات.

يقول الله- سبحانه وتعالى-: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، ويقول: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما). ويقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.

وهكذا نصلي على الرسول- صلى الله عليه وسلم- والذي بعثه الله ليخرجنا من الظلمات إلى النور، فيصلي الله علينا عشرا فيخرجنا بإذنه وفضله من الظلمات إلى النور.

لقد كان رسولنا- صلى الله عليه وسلم- شديد التأثر لعدم هداية المشركين وكان حريصا على إنقاذهم من النار رغم إيذائهم له:

(فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا).

اجتمع في قلب الرسول- صلى الله عليه وسلم- الحزن على مصير المشركين، فأي قلب رحيم وكبير كان في صدر الرسول- صلى الله عليه وسلم- فهو الرحمة المهداة والنعمة المسداة والقائل: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا).

صلوا عليه وسلموا تسليما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان