مبدعات عشن في عباءة أدباء

الكاتبة الصحفية عبلة الرويني رئيساً لتحرير أسبوعية أخبار الأدب المصرية
الكاتبة الصحفية عبلة الرويني التي تعتبر من أبرز كتاب جريدة أخبار الأدب المصرية (الجزيرة)

على مر العصور، شهد الأدب مشاركات نسائية عبرت فيها المرأة عن قضاياها واهتماماتها، وخلقت الأديبات مساحة خاصة داخل المشهد الأدبي.

وقد تكفي نظرة سريعة في ذاكرة أي منا خلال بحثه عن أسماء الأدباء، ليتأكد أن المرء يكاد لا يذكر اسما نسائيا، بالرغم من تغني العرب بوجود شاعرات من أمثال ولادة بنت المستكفي، والخنساء، ونازك الملائكة، وفدوى طوقان، وغيرهن.

لكن حضور المرأة الكاتبة في العالم العربي ليس سهلا ولا يتخذ مسارا طبيعيا؛ إذ ظل محكوما بالتقاليد الاجتماعية والهيمنة الذكورية ثقافيا وإعلاميا.

ومن أبرز صور التهميش ما تعرضت له أسماء أديبات وناقدات ارتبطن بزواج من كبار الأدباء أو الشعراء، فصار حضورهن محجوبا في ظل الشهرة الطاغية التي حظي بها الزوج.

تناقش هذه المقالة الأسباب التي ساهمت في خلق هذا الواقع، وتبين كيف ساهمت هيمنة صورة الرجل/الزوج في طمس أو تهميش صورة المرأة العربية المبدعة، وأثر ذلك على الأدب المعاصر.

أكثر ما يلفت في تلك التجارب أن التلقي النقدي وسم الإسهامات الأدبية والنقدية لأولئك المبدعات بكونها "علاقات زوجية"، لا منتجات مستقلة

لمحة تاريخية وأمثلة معاصرة

الأديب الكبير، والقدرة على تمثيل الأمة والتعبير عن قضاياها.. ذكورة مبطنة بشعارات قومية وجودية. مرحلة مهمة في تاريخ الأدب العربي شهدها القرن الـ19 مع النهضة العربية.

يكفي أن نذكر أن موهبة كفدوى طوقان ظلت تعرَف في بداياتها على أنها أخت الشاعر إبراهيم طوقان، قبل أن تنال لاحقا اعترافا باستقلال تجربتها.

تعد هيمنة البنية الأبوية في المجتمع العربي- التي تفترض أن المبدع الأصيل رجل- سببا أساسيا لطمس أصوات نساء أديبات؛ حيث كانت صورة المثقف المبدع حكرا على الرجل، واختزل وجود المرأة في القرابة أو الزوجية.

أما المؤسسات الثقافية والإعلامية -من مجلات رائجة في القرن العشرين إلى دور النشر- فقد كانت بيد رجال.. فالناشر رجل، والناقد رجل، والجمهور أو المتلقي في الغالب رجل، مما أعطى أفضلية لأسماء رجال، فيما أقصيت الزوجات أو قدمت أعمالهن في سياق الزوجية.

إعلان

ومن أبرز الأسماء التي خفت بريقها لأنها زوجة أديب أو كاتب:

  • خالدة سعيد: ناقدة أدبية بارزة، ظل حضورها محجوبا في عباءة أدونيس الذي ذاعت شهرته، فخفض حضورها في المشهد العام.
  • سنية صالح: شاعرة سورية لم يبرز اسمها إلا مقترنا باسم زوجها محمد الماغوط، الذي اعترف لها بفضلها قائلا: "كان رأيها أساسيا فيما أكتب".
  • عبلة الرويني: زوجة أمل دنقل، وهي كاتبة وصحفية ارتبطت كتابتها عنه في الجنوبي، فارتبطت شهرتها بعلاقتها به وشهادتها في سيرته.
  • زينب الأعوج: ارتبطت بالروائي الجزائري واسيني الأعرج، لكن اسمها ظل هامشيا أمام ذيوع اسمه، كما أن كثيرين ربطوا شهرتها بتلك الشراكة بدلا من قراءتها ككاتبة مستقلة.

أكثر ما يلفت في تلك التجارب أن التلقي النقدي وسم الإسهامات الأدبية والنقدية لأولئك المبدعات بكونها "علاقات زوجية"، لا منتجات مستقلة.

ربما كان قربهن من أولئك الأدباء سببا في فهم أعمق لتجاربهم، أمكنهن من تقديم قراءات معمقة، وربما كان تعبيرا صادقا عن الرابط الذي يجمعهن بهم، وربما هو نتاج طبيعي لإسهام المرأة شعوريا ووجدانيا في حياة زوجها.

لكن تلك الحقيقة لم تكن سببا وجيها لتقزيم حضورهن، بل ربما كان ينبغي أن يحدث العكس: أن يفسَح المجال لتتنفس تلك الأقلام بحرية.

ربما يكون السبب الأهم من بين العوامل المكرسة لتهميش الأسماء النسائية هو التصاق صورة المرأة في العالم العربي بالأسرة

الأسباب المعاصرة لاستمرار الظاهرة

رغم التغيرات الكبيرة التي لحقت بصورة المرأة وحضورها في المجتمع العربي، فإننا لا نزال نشهد آليات طمس تعمل بطرق مختلفة.

فالإعلام الثقافي ما زال يميل إلى تضخيم صورة الأديب الرجل وتكريسه كـ"أيقونة" ومرجع، بينما تختصر صورة الزوجة الكاتبة في دور المرافقة أو الداعمة.

كما نجد أن الجوائز غالبا ما تذهب إلى الأسماء الأكثر رواجا، وهي في معظمها أسماء رجال، مما يرسخ الفجوة. وربما يكون السبب الأهم من بين العوامل المكرسة لتهميش الأسماء النسائية هو التصاق صورة المرأة في العالم العربي بالأسرة.

تحولات إيجابية.. ولكن

قد يقول قائل إن نوال السعداوي ـ وقد فاقت شهرتها شهرة زوجها شريف حتاتة ـ نجحت في كسر هذا النمط، وكذلك رضوى عاشور التي ارتبطت بمريد البرغوثي وأثبتت حضورها المستقل وتجربتها الفريدة المستحقة.

بيد أن بروز بعض الأسماء لا ينفي القاعدة: فما يزال الطريق طويلا أمام الأديبات لانتزاع اعتراف بموهبتهن خارج عباءة الزوج. هذه الأمثلة تؤكد أن الحرية تنتزع بمجهود شخصي ثابت وتضحيات كبيرة، ولا بد لها من بيئة واعية.

نحن بحاجة إلى مراجعة تاريخ الأدب العربي برؤية أكثر عدلا وإنصافا وحرية، كي تقرأ أصوات النساء بوصفها نصوصا مستقلة مستحقة

لسن هوامش

تحقق المرأة اليوم شهرة سريعة بمجرد رواج فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، ولعل المفارقة العجيبة بين هذا الواقع وواقع تهميش مساهمات جادة وخلاقة في الفكر العربي، كانت من أسباب كتابة هذه السطور.

إن ظاهرة طمس أسماء زوجات الأدباء، أو خفوت بريقها، نتاج بنية ثقافية واجتماعية متشابكة ومعقدة، تتقاطع فيها الذكورية وآليات الإعلام والنقد، بالإضافة إلى ذاكرة المجتمع ومخياله.

إعلان

وكما أن إعادة نشر أعمال هؤلاء الأديبات خطوة لا بد منها لإعادة الاعتبار لمكانتهن المستقلة، فإن إعادة النظر فيما يسلط عليه الضوء اليوم، مما تقدمه النساء، إسهام في خلق حالة وعي مختلفة قد تنير شمعة في عتمة الواقع.

ولا أعرف أن أيا من تلك الأعمال قد حظي بدراسة جادة عنوانها: حين تحبك امرأة مبدعة تجعل منك أديبا، أو تسمح لك بأن تكون كاتبا ناجحا.

أي إن تلك الأعمال النسائية لم ينظر إليها على أنها حالات إنسانية نابعة من تجربة شخصية غنية، بل كأعمال نتجت عن التصاق بالأديب الرجل، فكان من الطبيعي أن تذكر به. والغريب أن أيا من أولئك الأدباء -وعلى حد علمي- لم يسعَ إلى تغيير شيء! والسؤال: لماذا لم تعترض النساء؟ ولماذا لم ينتصر الرجال؟

نحن بحاجة إلى مراجعة تاريخ الأدب العربي برؤية أكثر عدلا وإنصافا وحرية، كي تقرأ أصوات النساء بوصفها نصوصا مستقلة مستحقة. وبهذا نفسح المجال لأدبنا العربي أن ينصف نصفه الغائب، ويعيد التوازن إلى سرديته الثقافية.

وربما سيقرأ هذه السطور رجل ويسأل: وماذا عن النساء اللواتي كان السبب في شهرتهن ارتباطهن بأدباء رجال؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان