في أزقة بغداد المزدحمة وورشها الصناعية المتربة، وفي حقول الوطن الشاسعة، هناك جيش صامت من الأطفال سُلبت منهم براءتهم، وأُلقي على عاتقهم عبء إعالة أسرهم.
إنها ظاهرة عمالة الأطفال في العراق، ذلك الجرح الغائر في جسد المجتمع، الذي لا يزال ينزف مستنزفا مستقبل البلاد وطاقاتها الشابة في دوامة الفقر والصراع. ورغم الجهود الحكومية والقوانين الرادعة، تشير الأرقام والوقائع على الأرض إلى أن الأزمة أعمق وأكثر تعقيدا مما تبدو عليه.
هذه المدونة تغوص في أعماق هذه الظاهرة، بالاستعانة بإحصائيات وبيانات من مصادر حكومية وبرلمانية ومنظمات غير حكومية، لكشف حجمها الحقيقي، وأسبابها الجذرية، وتأثيراتها المدمرة على جيل بأكمله.
العديد من الأسر تعجز عن تحمل تكاليف الدراسة، أو تفضّل إرسال أطفالها إلى العمل لجني المال بدلا من الذهاب إلى مدارس تفتقر في كثير من الأحيان للبنى التحتية الأساسية
بالأرقام: حجم الكارثة الصامتة
رسم صورة دقيقة بالأرقام لعمالة الأطفال في العراق يظل تحديا صعبا، نظرا لطبيعة القطاع غير المنظم الذي يعمل فيه معظمهم. ومع ذلك، تقدم التقارير المتاحة لمحة قاتمة عن الوضع:
- تقديرات مقلقة: تشير تقارير حديثة، صادرة في أواخر 2023، إلى وجود ما يقارب 900 ألف طفل عامل في العراق! رقم هائل يعكس حجم الأزمة التي تطال مئات الآلاف من الأسر.
- بيانات رسمية: آخر المسوحات الشاملة، التي أجراها الجهاز المركزي للإحصاء العراقي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، أظهرت أن حوالي 5% من الأطفال في الفئة العمرية (5-17 سنة) منخرطون في سوق العمل. قد تبدو النسبة منخفضة، لكنها تترجم إلى مئات الآلاف من الأطفال.
- الأعمال الخطرة: الأدهى من ذلك هو انخراط نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال في "أسوأ أشكال عمل الأطفال". ففي 2022، حددت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أكثر من 600 طفل يعملون في ظروف خطرة، وهو رقم يُعتقد أنه مجرد غيض من فيض. وتشمل هذه الأعمال جمع النفايات، والورش الصناعية، والبناء، والزراعة، حيث يتعرضون للمواد الكيميائية، والآلات الثقيلة، والاستغلال الجسدي.
يمتلك العراق إطارا قانونيا جيدا نسبيا لمكافحة عمالة الأطفال؛ فقانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 يحظر بشكل صريح تشغيل الأطفال قبل إتمام سن الخامسة عشرة، ويفرض عقوبات على المخالفين
محركات الظاهرة: الفقر والنزوح وإرث الحروب
لا يمكن فهم ظاهرة عمالة الأطفال بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه العراق؛ إذ تتضافر عدة عوامل لتشكيل عاصفة هوجاء تدفع بالأطفال إلى سوق العمل قبل الأوان:
- الفقر المدقع: المحرك الأول والرئيس؛ فمع ارتفاع معدلات الفقر التي تطال- بحسب تقديرات اليونيسيف- طفلين من كل خمسة أطفال في العراق، تصبح عمالة الطفل خيارا للبقاء على قيد الحياة بالنسبة للعديد من الأسر. فالدخل الذي يجنيه الطفل، مهما كان ضئيلا، يساهم في توفير لقمة العيش.
- النزوح والتهجير: خلّفت سنوات الحرب ضد تنظيم الدولة، وما سبقها من صراعات، ملايين النازحين داخليا. هذه الأسر التي فقدت كل شيء تجد نفسها في وضع هش للغاية، مما يجبر أطفالها على العمل لتأمين أبسط مقومات الحياة في المخيمات أو المدن المضيفة.
- التسرب من التعليم: يرتبط هذا السبب ارتباطا وثيقا بالفقر؛ فالعديد من الأسر تعجز عن تحمل تكاليف الدراسة، أو تفضل إرسال أطفالها إلى العمل لجني المال بدلا من الذهاب إلى مدارس تفتقر في كثير من الأحيان للبنى التحتية الأساسية.
- الأعراف الاجتماعية: في بعض المناطق لا يزال هناك قبول اجتماعي لعمل الأطفال، خاصة في الحرف اليدوية والزراعة، باعتباره جزءا من التنشئة وإعداد الطفل للمستقبل، في تجاهل لآثاره النفسية والجسدية.
شهدت أروقة مجلس النواب العراقي نقاشات متعددة حول ضرورة تعديل "قانون الطفل" ليتلاءم مع التحديات المستجدة، ويؤمّن حماية أكبر
الإطار القانوني والجهود المبذولة: بين النص والتطبيق
على الورق، يمتلك العراق إطارا قانونيا جيدا نسبيا لمكافحة عمالة الأطفال؛ فقانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 يحظر بشكل صريح تشغيل الأطفال قبل إتمام سن الخامسة عشرة، ويفرض عقوبات على المخالفين. كما صادق العراق على اتفاقيات منظمة العمل الدولية الرئيسة المتعلقة بعمالة الأطفال.
الجهود الحكومية
- وزارة العمل والشؤون الاجتماعية: تنفذ الوزارة حملات تفتيشية منتظمة على أماكن العمل لضبط المخالفات، كما أطلقت "وحدات رعاية الطفولة" لتقديم الدعم للأطفال المعرضين للخطر.
- الحماية الاجتماعية: تعمل الحكومة على توسيع شبكة الحماية الاجتماعية لتشمل الأسر الأكثر فقرا، بهدف تقليل اعتمادها على دخل أطفالها.
دور البرلمان
شهدت أروقة مجلس النواب العراقي نقاشات متعددة حول ضرورة تعديل "قانون الطفل" ليتلاءم مع التحديات المستجدة، ويؤمّن حماية أكبر. وتدعو أصوات برلمانية باستمرار إلى تشديد الرقابة وتفعيل القوانين الحالية بشكل أكثر صرامة.
لمواجهة هذه الظاهرة المعقدة، لا بد من تبني نهج شامل ومتكامل، يشمل معالجة الفقر عبر توفير فرص عمل لائقة للبالغين، وتوسيع برامج الدعم المالي المشروط ببقاء الأطفال في المدارس
منظمات المجتمع المدني
تلعب المنظمات الدولية والمحلية- مثل اليونيسيف، ومنظمة العمل الدولية، وجمعية الأمل العراقية- دورا حيويا في رصد الظاهرة، وتقديم الدعم النفسي والتعليمي للأطفال العاملين، والضغط على صانعي السياسات لاتخاذ إجراءات أكثر فاعلية.
فجوة الأمل: تحديات قائمة وحلول مقترحة
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال الفجوة واسعة بين الطموح والواقع. التحدي الأكبر يكمن في ضعف إنفاذ القانون؛ فكثير من أصحاب العمل يفلتون من العقاب، مستغلين حاجة الأسر الماسة إلى المال. كما أن الأزمة الاقتصادية المستمرة تجعل من الصعب الوصول إلى حلول جذرية.
ولمواجهة هذه الظاهرة المعقدة، لا بد من تبني نهج شامل ومتكامل، يشمل معالجة الفقر عبر توفير فرص عمل لائقة للبالغين، وتوسيع برامج الدعم المالي المشروط ببقاء الأطفال في المدارس.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
