في قلب القرن الـ21، حيث يتباهى العالم بإنجازاته التكنولوجية، وتزهو الأمم بمواثيقها ومعاهداتها التي ترفع شعار حماية حقوق الإنسان وصون كرامته، تطل مأساة غزة كصفعة على وجه الضمير الإنساني، لتفضح هشاشة هذه الشعارات أمام الواقع المأساوي.
ما يحدث في غزة لم يكن يوما مجرد أزمة عابرة، بل هي حرب مزدوجة على كل ما فيها: حرب صاخبة تُسقِط فيها الصواريخ قتلى وتُحدث دمارا، وحرب صامتة يُستخدم فيها التجويع كسلاح خفي لقهر المدنيين العزل. ولعل الأخيرة أشد فتكا وأطول أثرا، فهي حرب تقارع المدنيين بجوعهم وتترك آثارها على أجيال بأكملها.
يشهد الواقع مأساة يومية، إذ يزداد الشهداء من الأطفال بسبب نقص الغذاء، في انتهاك صارخ للاتفاقية آنفة الذكر. هذا الواقع المؤلم يفضح فشل العالم في حماية أطفال أبرياء من التجويع والحرمان
المشهد الغزي اليوم هو جريمة مكتملة الأركان بمقاييس القانون الدولي، حيث يُستخدم التجويع كوسيلة للإبادة الجماعية، في تحدٍ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية.
وما يعيشه الغزيون اليوم ليس نقصا عابرا في الغذاء، بل هو حرمان ممنهج من أهم مقومات الحياة، يصل إلى حد الإبادة البطيئة. لقد أصبحت شاحنات الغذاء والدواء رهينة للتفاوض؛ تدخل ببطء شديد، وأحيانا تُمنع بشكل كامل، وهو ما يُعد خرقا فاضحا لنصوص القانون الدولي الإنساني، التي حظرت بشكل صريح "تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب" (المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977).
لكن، هل يظل القانون الدولي مجرد نصوص جامدة بينما على الأرض يذبل أطفال غزة جوعا؟! وهل بات صمت العالم شريكا في إدامة هذه الجريمة؟
ألزمت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 -في المادة (24/2/ج) منها- الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة من أجل مكافحة الأمراض وسوء التغذية، وحثت بوضوح على ضرورة توفير الأغذية المغذية الكافية للأطفال ومياه الشرب النقية.
وفي غزة يعيش ما يقارب 380 ألف طفل دون سن الخامسة في وضع شديد الخطورة، وهم معرضون لسوء التغذية الحاد الذي يزيد احتمالات إصابتهم بالأمراض والعواقب الصحية طويلة الأمد.
ويشهد الواقع مأساة يومية، إذ يزداد الشهداء من الأطفال؛ بسبب نقص الغذاء، في انتهاك صارخ للاتفاقية آنفة الذكر. هذا الواقع المؤلم يفضح فشل العالم في حماية أطفال أبرياء من التجويع والحرمان.
الحق في الغذاء ليس ترفا ولا منحة من أحد، بل هو حق مكفول بموجب المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
"تقر الدول الأطراف بحق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية.
وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق" (مادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).
الحق في الغذاء ليس ترفا ولا منحة من أحد، بل هو حق مكفول بموجب المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
كما أن المادة (23) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 ألزمت الأطراف المتعاقدة بالسماح بمرور الأغذية والمواد الأساسية بأسرع ما يمكن. وهو ما يعني أن سياسة الحرمان التي تنتهجها إسرائيل تُعد تعديا صارخا لهذه الالتزامات التعاقدية الدولية فهناك: أطفال ببطون خاوية، أمهات يبحثن عن كسرة خبز، وشيوخ يتكئون على صبر أنهكته المجاعة.
وبحسب القانون الجنائي الدولي، تُصنَف الأفعال اللاإنسانية التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة، أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو الصحة، ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
كما يُعد تعمد إخضاع جماعة بشرية لظروف معيشية يراد بها إهلاكها كليا أو جزئيا، ومن بينها الحرمان من الغذاء والدواء، فعلا من أفعال الإبادة الجماعية التي تستوجب المساءلة الجنائية الدولية، وذلك بموجب المادتين (6) و(7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
غير أن واقع غزة يثبت أن هذه القوانين مدونة على ورق أمام حصار وإغلاق ومنع متعمد لدخول المواد الغذائية والدوائية الأساسية.
المجاعة في غزة ليست أمرا محتوما، ولا أزمة عابرة، ولم تكن بفعل كارثة طبيعية، بل هي فعل متعمد يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية
طفل صغير لم يتجاوز عمره بضع سنوات، يمد يده المرتجفة نحو قدر الطعام عله يجد ما يسد رمقه. وبين تدافع الجموع وصخب الجوع، يسقط القدر الساخن فوق جسده الغض، ليعلو صراخه الموجع وسط الحشود.
صرخة تفضح قسوة الواقع وتختصر وجع الطفولة والجوع والخذلان.. لحظة قصيرة لكنها تجسد أبشع صور المجاعة: جسد ضعيف يحترق، وطفولة تكوى بالنار، ومشهد يهز القلب ويفضح عجز القانون أمام براءة تُذبح على أبواب الجوع.
المجاعة في غزة ليست أمرا محتوما، ولا أزمة عابرة، ولم تكن بفعل كارثة طبيعية، بل هي فعل متعمد يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية.
جريمة تدخل ضمن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية، وتستوجب الملاحقة الفردية لكل من أمر بها ونفذها. وفي مواجهة ذلك، تبقى إنسانية المجتمع الدولي موضع تساؤل: فإما أن يتحرك العالم لإيقاف هذه المهزلة، أو سيكتب التاريخ أن الإنسانية اختارت التجويع كأداة حرب في القرن الـ21.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

