تراجع فرنسا وصعود روسيا في الساحل الأفريقي!

This pool image distributed by Sputnik agency shows Russian President Vladimir Putin greeting Burkina Faso's junta leader Captain Ibrahim Traore during a welcoming ceremony at the second Russia-Africa summit in Saint Petersburg on July 27, 2023. (Photo by Pavel BEDNYAKOV / POOL / AFP)
فلاديمير بوتين (يمين) يستقبل إبراهيم تراوري خلال زيارة سابقة إلى روسيا (الفرنسية)

منذ نهاية الحرب الباردة، شكل الوجود الفرنسي في أفريقيا، وخاصة في دول الساحل، أحد أبرز ملامح السياسة الدولية في القارة، عبر تمركز قواعد عسكرية، ونفوذ اقتصادي، ودعم سياسي لنُظم حليفة.

غير أن العقد الأخير، ومع صعود قوى دولية بديلة، أفرز تغيرات ملحوظة في موازين النفوذ. ولم يكن خروج فرنسا من النيجر عام 2023 حدثا معزولا، بل يندرج ضمن مسار متصاعد من التراجع الفرنسي أمام تنامي الحضور الروسي، مما يستدعي مساءلة أعمق حول طبيعة هذا التحول وسياقاته.

تعتمد روسيا مقاربة مختلفة، تقوم على تقديم الدعم الأمني والعسكري دون شروط سياسية معلنة، وهو ما يجعلها جذابة لأنظمة تعاني من عزلة إقليمية ودولية بعد الانقلابات

السياق التاريخي والسياسي للوجود الفرنسي في الساحل

بعد الاستقلال الشكلي لدول الساحل، اعتمدت فرنسا سياسة "فرنسا الأفريقية"، التي كرست من خلالها تبعية اقتصادية وأمنية دائمة.

وشكلت العمليات العسكرية مثل "برخان" و"سرفال" تعبيرا عن هذا النهج؛ إذ بررت باريس تدخلها بالحرب على الإرهاب، بينما تصاعد الاستياء الشعبي في كل من مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو من استمرار الهيمنة الفرنسية دون تحقيق نتائج ملموسة في الأمن والتنمية.

هذا التآكل في الشرعية السياسية والاجتماعية مهد الطريق أمام البحث عن شريك بديل.

الصعود الروسي في أفريقيا.. أدوات النفوذ وخطاب التحرر

تعتمد روسيا مقاربة مختلفة، تقوم على تقديم الدعم الأمني والعسكري دون شروط سياسية معلنة، وهو ما يجعلها جذابة لأنظمة تعاني من عزلة إقليمية ودولية بعد الانقلابات.

وتُعد مجموعة "فاغنر" الأداة الرئيسية للنفوذ الروسي؛ إذ تنشط في مالي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وبدأت تحظى بقبول شعبي باعتبارها قوة "تحررية" بديلة عن الاستعمار القديم. كما تسوِق موسكو لخطاب سيادي يجد صدى في مجتمعات أنهكتها السياسات الغربية.

إن تراجع فرنسا وصعود روسيا في الساحل الأفريقي لا يمثلان مجرد استبدال لاعب بآخر، بل يعكسان ديناميكيات أعمق تتصل بإعادة التفكير في أنماط الحكم والسيادة والارتباط الدولي

النيجر كنموذج لإعادة تشكيل النفوذ الدولي

يمثل انقلاب يوليو/تموز 2023 في النيجر، وما تبعه من طرد القوات الفرنسية، نقطة تحول مفصلية في مسار التوازنات الجيوسياسية. فقد عبر النظام الجديد عن رغبة صريحة في تنويع الشركاء الأمنيين، وفتح المجال أمام روسيا، وتركيا، والصين.

إعلان

وقد فسر بعض المحللين هذا التحول باعتباره بداية نهاية النفوذ الفرنسي في الساحل، وعودة التعددية القطبية إلى المنطقة. غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، أبرزها هشاشة الدول، وتنافس الفاعلين، واحتمال تحول المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة.

إن تراجع فرنسا وصعود روسيا في الساحل الأفريقي لا يمثلان مجرد استبدال لاعب بآخر، بل يعكسان ديناميكيات أعمق تتصل بإعادة التفكير في أنماط الحكم والسيادة والارتباط الدولي.

فقد شكل فشل النموذج الفرنسي، ونجاح موسكو في تقديم بديل غير مشروط -ظاهريا- فرصة لإعادة تعريف العلاقات الدولية من منظور جنوبي. غير أن هذا التحول يبقى محفوفا بمخاطر التبعية الجديدة، ما لم يُقرن بإصلاح داخلي يضمن سيادة حقيقية وشراكة متوازنة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان