اقتلهم جميعا، فهم مجرد حيوانات لا تستحق الحياة، عليك أن تتخلص من أي شيء يمنح الفلسطينيين صورة وصوتا وظلا.. هكذا تتوالى الخطابات الصهيونية المغرضة والمحرضة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية، ضد أي شيء من شأنه أن يقف إلى جانب الحقيقة، وعلى مقربة من رافضي الإبادة والتهجير والتجويع!
تلك التصريحات العنصرية والنازية ما كان لها أن تأخذ واقعيتها لولا تهاوي جدران الحضارة، والتغييب المتعمد للقانون الدولي، وتخاذل العالم الحر عن التصدي لأعتى القوى بربرية في التاريخ.
لم تتوقف إسرائيل عند حدود الحرب التقليدية المستهدِفة للمنشآت العسكرية، بل تخطّت إلى أبشع الممارسات النازية لكسر شوكة المقاومة، بدءا من استهدافها المدنيين العُزل عبر سياسات القتل المباشر والتجويع المستمر، وصولا إلى خلق سرديات مضللة جعلت من الطبيب والمسعف والصحفي أهدافا مستباحة لآلتها الهمجية. وذلك عبر تلفيق التهم المستمرة للطواقم الإغاثية والصحفية بكونها فرعا إرهابيا لحركة المقاومة الفلسطينية.
إذ إن خوذة الصحفي وبذلة الطبيب لم تستطيعا أن تقفا خارج دائرة الموت المحيطة بالفلسطينيين، حيث يأخذ الموت أشكالا متعددة وعنيفة تحت غطاء إمبراطوري شرّع للقتلة الإسرائيليين تجاوز حدود النازية وهم يلبسون ثوب الصهيونية العنصرية.. فهل خسرت إسرائيل معركة السرديات المضللة لتغتال عدسة الحقيقة والصورة الكاملة؟
منذ الأيام الأولى للحرب في غزة، انتفض الصحفيون في وجه الموت. لقد اختاروا أن يكونوا ضمن «حلقة الصمود» في وجه النكران والخذلان، ليفضحوا زيف الادعاءات الإسرائيلية، ويثبتوا بجدارة هوان الصهيونية محليا وعالميا
لماذا الصحفيون؟
خسر الاحتلال الصهيوني جبهات الحروب المفتوحة عليه عالميا، إذ يواجه اليوم زحفا جماهيريا رافضا للغطرسة الإسرائيلية. تلك المعارك تتعدد عناوينها: من صمود المقاومة الفلسطينية في وجه الآلة العسكرية، ووقوف الصحفيين إلى جانب الحقيقة، وتصدع بنية الفضاء الغربي الداعم للصهيونية، حيث تنقل عدسة الجزيرة واقعا يشهد على جور الاحتلال، وخذلان الحضارة لأدنى التزام أخلاقي تجاه الإنسان.
تخشى إسرائيل «الصورة الكاملة» كما تخشى بندقية المقاوم وغصن الزيتون. إنها خارج التاريخ والحضارة معا، حتى وإن بدت ممارساتها الاستثنائية نوعا من التميز عن دول المنطقة، فإنها لا تملك مقومات دولة ديمقراطية تقبل التعايش ضمن متطلبات الاعتراف الحضاري.
هي تخشى الصورة المغايرة لسرديتها المعادية للإنسان، إذ تقتات من تلفيقات الإمبراطورية والمظلومية التاريخية، ومن دونهما تصبح إسرائيل خارج التاريخ، حيث ينقلب البرابرة على أعقابهم.
منذ الأيام الأولى للحرب في غزة، انتفض الصحفيون في وجه الموت. لقد اختاروا أن يكونوا ضمن «حلقة الصمود» في وجه النكران والخذلان، ليفضحوا زيف الادعاءات الإسرائيلية، ويثبتوا بجدارة هوان الصهيونية محليا وعالميا. كيف لا، وحملات التحريض ضد الصحفيين لا تتوقف في بلاطات الاحتلال وعبر شبكات التجسس المدعومة بريطانيًا فوق غزة؟ ومع ذلك، لم تستطع إسكات الأصوات المناهضة لآلة القتل والتجويع.
يخسر الاحتلال الصهيوني معركة الكلمة والصورة، وتتهاوى سردياته في عواصم العالم أمام عدسة الحقيقة وصوت مراسلي الجزيرة؛ فمن شيرين أبو عاقلة إلى مصطفى الغول وأنس الشريف ومحمد قريقع وغيرهم كثير، نجد من حمل الميكروفون والكاميرا يركض خلف الحقيقة المؤلمة، يُري الناس كيف أن قتلة الصحفيين لن يتورعوا عن استهداف الحضارة إن هي وقفت ضد تلفيقاتهم ومشروعهم الاستيطاني.
فإسرائيل باستهدافها الصحفيين لم تُبقِ لها أي التزام قانوني تجاه الحضارة، إذ إن أخلاقيات الاحتلال لم تستطع تحمّل عدسة إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، ولا صوت أنس الشريف ومحمد قريقع.
خلف العدسة ثمة عالم آخر، أقر بالتخلي عن ذاتيته وأحزانه وأحلامه، في سبيل أن ينقل للعالم الحر المأساة الفلسطينية، أقول: العالم الحر الذي ما زال يؤمن بأن ثمة شعبا يريد الحياة
تراجيديا العدسة
لا أحمل بندقية، ولا أملك دبابة أقصف بها المباني وأهدم معاني الحياة. إن في إحدى يدي ميكروفونا وفي الأخرى عدسة ترقب الواقع المأساوي لشعب يعيش الفشل الأخلاقي للحضارة الإنسانية. بالكاد أتنفس هواء نقيا، وآكل طعاما ساخنا، فالموت لم يترك لي وقتا كي تنعم حياتي بالسكينة والهدوء.. تقولها الصورة.
إنني أريكم ما تحمله الكاميرا من صور الحقيقة المعنونة بالدمار والقتل والتهجير والتجويع. فالحقيقة تتجلى في فصولها التراجيدية الأكثر قتامة في تاريخ البشرية، إنها احتلال وتهجير قسري وأرض محروقة، ليس تجاه الفلسطيني فحسب، بل ضد الحضارة وانتمائنا إليها! فما معنى أن تقتل صحفيا وتسجن طبيبا؟
قد يبدو منطق القوة الصهيونية واستخداماتها المحرمة دوليا أمرا يصعب رفضه ما بعد التنديد والشجب، إذ بات العالم مسرحا للتراجيديا الفلسطينية، من دون أن تتحرك أساطيل القانون الدولي أو ترسانة المبادئ الإنسانية لحماية الصحفيين.
فأنت لا تقتل الشهود فحسب، بل تعلن واقعا مخيفا يصعب فيه تصديق إمكانية تطبيق أدنى مقررات المؤسسات الدولية. إذ إن مئات القضايا تلاحق مجرمي الحرب في إسرائيل، ولا يزالون يوغلون في القتل والتنكيل.
خلف العدسة ثمة عالم آخر، أقر بالتخلي عن ذاتيته وأحزانه وأحلامه، في سبيل أن ينقل للعالم الحر المأساة الفلسطينية (أقول: العالم الحر الذي ما زال يؤمن بأن ثمة شعبا يريد الحياة). صور الخيبات والدمار والقتل والتجويع، لإسقاط تلفيقات الاحتلال وتحريك الضمير الإنساني لوقف آلة القتل الصهيونية.
تقتل إسرائيل الصحفيين كما قتلت من قبل الآلاف وهجّرت الملايين. ينظر القريب من عين الإبرة فيخشى أن يُلقي حجرا في وجه الظلم الصهيوني، وينتفض الغريب على دعم ساسته للاحتلال. ومع ذلك، لا تتوقف التغطية، ولا تكل الجزيرة عن نقل الصورة الكاملة
بيت الاحتلال
تدرك إسرائيل أنها فشلت في معركة السرديات كما على الأرض، وباءت مظلوميتها التاريخية بانتكاسة كبرى في فضائها الغربي. وهي اليوم تختم فصول النهاية لأبشع احتلال شهدته البشرية على مر العصور، باستهدافها الطواقم الطبية والصحفية.
يُظهر التاريخ أن بيت الاحتلال أوهى من الكلمات، ومن وقع الصورة في ترسيخ سردية الاستقلال عن الهيمنة. ففشله الذريع لم يتوقف عند عدم تحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية، بل امتد ليطول البنية الاجتماعية والثقافية للاحتلال.
فالأصوات اليمينية المتطرفة باتت الآن ترسم السياسات الاستيطانية والاستئصالية لإسرائيل. والقمع المستمر، بالقتل والتخويف والتخوين الذي يطول المناهضين للاحتلال، شاهد على حقيقة تاريخية مفادها أن الاحتلال يعيش أزمة داخلية وانقساما حادا وشعورا بالانهيار في أي لحظة.
تقتل إسرائيل الصحفيين كما قتلت من قبل الآلاف وهجّرت الملايين. ينظر القريب من عين الإبرة فيخشى أن يُلقي حجرا في وجه الظلم الصهيوني، وينتفض الغريب على دعم ساسته للاحتلال. ومع ذلك، لا تتوقف التغطية، ولا تكل الجزيرة عن نقل الصورة الكاملة، صورة تربك السرديات الصهيونية الملفقة، وتهدم أسوار بيت الاحتلال الواهية.
ومهما كان القتل عنوان دولة الاستثناء، فإن صوت الحقيقة، مهما أريد له أن يصمت وتُحرَق صوره في خيام الصحفيين، سيأتي عليه زمان يتسلى فيه المظلوم بمن ظلمه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

