العودة إلى المدارس في سوريا.. حمص بين الأمل والمعاناة

سوريا/ريف حمص/ مادة للجزيرة نت /مبادرة للنهوض بالواقع التعليمي وخصوصا عند الأطفال الصغار/جلال سليمان
الكاتبة: تبدو مدارس مدينة حمص عموما أفضل حالا من مدارس الريف الحمصي، من حيث الجاهزية والقدرة الاستيعابية وأعداد المدرسين (الجزيرة)

التعليم أساس نهضة الأمم ومهد حضارتها، وهو المؤشر الأبرز على تقدمها ورقيها؛ فالأمم التي ترتفع فيها نسبة المتعلمين، والتي تولي هذا القطاع أهمية كبرى، تسمو في جميع المجالات، وخاصة إذا اقترن العلم بالحض على العادات الجيدة والأخلاق الرفيعة.

ولا يمكن إنكار أهمية الاهتمام بالناشئة منذ صغرهم، لأن الأمم تعوِل عليهم لبناء مستقبل مشرق تُطوى فيه جراح الماضي.. وسوريا ليست استثناء.

لقد أثبت الشباب السوري تفوقه في البيئات التي قدمت له الرعاية، وأظهر قدرته على التحمل وقوة الإرادة، وتمكن عدد كبير منهم من التخرج في الجامعات السورية حتى في أعتى الظروف. فكيف سيكون الأمر إذا تحسن الواقع التعليمي في المستقبل القريب؟

هل تستطيع المنشآت التعليمية استيعاب هذه الزيادة في أعداد الطلاب، خاصة مع تدمير النظام السابق آلاف المدارس، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية؟

تحديات طغت على المشهد وتجلت في معظم الأرض السورية

إن تحدثنا بلغة الأرقام والإحصائيات الأخيرة، فإن عدد الطلاب المتسربين في سوريا قارب المليونين ونصف المليون؛ وذلك لانتفاء الاستقرار العائلي المتمثل بفقدان أحد الوالدين أو كليهما، أو لعدم التسجيل في دوائر النفوس وعدم وجود أوراق ثبوتية، أو لفقدان المنزل والسكن في المخيمات، أو بسبب الفقر الشديد.

في المقابل، بلغ عدد الطلاب المسجلين في المدارس ما يقارب أربعة ملايين ونصف المليون.

ويتوقع أن يتضاعف هذا العدد هذا العام؛ بسبب تسجيل الولادات، وعودة المهجرين والمغتربين، وإخلاء المخيمات وتوطين سكانها. لكن يبقى السؤال: هل تستطيع المنشآت التعليمية استيعاب هذه الزيادة في أعداد الطلاب، خاصة مع تدمير النظام السابق آلاف المدارس، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية؟

وعلى الرغم من النقلة النوعية التي شهدتها سوريا في منتصف العام الدراسي الماضي، إذ تمكنت الإدارة الجديدة من المضي قدما في إجراء امتحانات الشهادتين الأساسية والثانوية، وهو ما يثبت العمل الجاد والجهود الجبارة للعاملين في القطاع التربوي، فإن الوزارة لم تتمكن -بسبب إعطاء الأولوية لاستكمال العملية التعليمية- من توحيد المناهج السورية، وما زال ملف المعلمين مفتوحا، وهو التحدي الأكبر حاليا.

استجابت الوزارة للمبادرة الوطنية "أعيدوا لي مدرستي"، حيث شهد العديد من المدارس عمليات ترميم وإعادة تأهيل، ورغم ذلك ما زالت مدارس كثيرة في المحافظات السورية تنتظر دورها

القرارات التربوية الجديدة بارقة أمل

شهد القطاع التعليمي عددا من القرارات المستعجلة والإجراءات الضرورية، أبرزها إعادة المدرسين الذين فصلهم النظام السابق تعسفا، وزيادة الرواتب الشهرية للمعلمين، وهي زيادة شكلت نفَسا منعشا بعد سنوات من التهميش وعدم إيفائهم حقوقهم، مع استمرار الوعود بزيادات أخرى قريبة.

إعلان

ومن بين القرارات الجيدة، التي قد تشكل خطوة أولى نحو تحسين العملية التعليمية، التخفيف من المواد العلمية لطلاب الثانوية في الفرع الأدبي، والعكس بالنسبة لطلاب الفرع العلمي، إلى جانب إلغاء مادة "التربية القومية"، وحذف الحصة السابعة من البرنامج الأسبوعي.

كما استجابت الوزارة للمبادرة الوطنية "أعيدوا لي مدرستي"، حيث شهد العديد من المدارس عمليات ترميم وإعادة تأهيل، ورغم ذلك ما زالت مدارس كثيرة في المحافظات السورية تنتظر دورها.

مدرسو العقود

يُعد ملف مدرسي العقود من أكثر الملفات الشائكة، إذ يحتاج إلى تفكير وتأنٍ وحنكة للوصول إلى صيغة ترضي هذه الفئة. وقد صرح عدد منهم بمخاوفهم من مستقبل مجهول، خاصة بسبب تأخر صرف رواتبهم واقتراب نهاية عقودهم.

قالت إحدى المدرسات إنها عملت بجد منذ بداية عقدها 2021، وتحملت أعباء المواصلات طيلة تلك السنوات على أمل تثبيتها، شأنها شأن كثير من زملائها الذين وقعوا عقودا تلزمهم بالشواغر المعينين فيها حتى وإن كانت بعيدة عن مكان سكنهم.
ويرى هؤلاء المدرسون أنهم يحملون شهادات ويمتلكون خبرات ومؤهلات، فما الذي ينقصهم ليعيشوا على أعصابهم؟ ويؤكدون أن المدارس لا تستطيع الاستغناء عنهم، فهم ليسوا فائضا عن الحاجة. لذلك يطالبون وزارة التربية بتثبيتهم لضمان الاستقرار الوظيفي، مع الإسراع في صرف الرواتب المتأخرة.

يُذكر أن وزير التربية والتعليم، محمد تركو، أصدر قرارا بتجديد العقود حتى نهاية العام، على أن تُجرى خلال هذه الفترة عملية تقييم علمي وعملي ودراسة الحاجة الفعلية.

من التحديات الأخرى التي أشار إليها إداريون في مدارس حمص كثرة الإحصائيات التي تطلبها مديرية التربية، رغم كونها متشابهة مع إحصائيات سابقة مع تغييرات طفيفة

المدارس في حمص

تبدو مدارس المدينة عموما أفضل حالا من مدارس الريف الحمصي من حيث الجاهزية، والقدرة الاستيعابية، وأعداد المدرسين. فقد ذكرت معلمة من "ثانوية غرناطة للإناث" أن الكادر التعليمي في المدرسة معظمُه من داخل الملاك، وأن الصفوف تكفي للطالبات، ولم تكن عودة بعض المغتربات عائقا، كما تم تجهيز مصلى داخل المدرسة.

في المقابل، أشارت معلمة من "ثانوية محسن عباس للذكور" إلى طبائع الطلاب المختلفة؛ بسبب مرحلتهم العمرية الحساسة، لكنها لم ترَ في ذلك مشكلة، مؤكدة أن المدرسة ما زالت تخرج الكثير من الطلاب المتفوقين كل عام، مع الإشادة بالكادر التعليمي والإداري المتميز.

غير أن من أبرز التحديات زيادة عدد الطلاب في الصف الواحد، إذ قد يصل إلى خمسة وخمسين طالبا.

أما بعض المدارس التي طُبق فيها قرار الفصل بين الذكور والإناث فقد شهدت تخبطا، بسبب إعلان القرار قبل أسبوع واحد فقط من بدء الدوام الإداري في الرابع عشر من الشهر الجاري.

ففي بلدتي الغنطو وتيرمعلة، جُمعت الإناث من المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدرسة واحدة في كل بلدة، بينما نُقل الذكور من تيرمعلة إلى "ثانوية جاسم الصالح" في الغنطو.

ورغم ذلك، ما زالت الضبابية تحيط بتقبل الأهالي إرسال أبنائهم إلى مدارس بعيدة نسبيا، وكذلك بشأن تغير الكادر والتعيينات الجديدة، إذ أبدى بعض المعلمين تخوفهم من فاعلية تطبيق القرار.

إعلان

ومن التحديات الأخرى التي أشار إليها إداريون في مدارس حمص كثرة الإحصائيات التي تطلبها مديرية التربية، رغم كونها متشابهة مع إحصائيات سابقة مع تغييرات طفيفة.

كما شكا الإداريون من القرارات المتكررة والمتجددة بخصوص الطلاب المتسربين من التعليم الأساسي، معتبرين أنها ترهقهم. وطالبوا بأن تشملهم طبيعة العمل، نظرا لجهودهم المستمرة في أيام الدوام وحتى العطلة الصيفية.

وقد عملت مديرية التربية في حمص بالتعاون مع المجتمع المحلي والمنظمات المدنية على ترميم وصيانة العديد من المدارس، منها: مدرسة "عمار بن ياسر"، ومدرسة "الشهيد حمزة محمد حمزة"، ومدرسة "عبدالحميد الزهراوي"، ومدرسة "يحيى الغنطاوي" في بابا عمرو، ومدرسة "أم سلمة المحدثة" في الخالدية، ومدرسة "ذات الصواري" في تلبيسة، وغيرها.

أول الغيث -كما يُقال- قطرة، وعلى المجتمع الدولي أن يقدم يد العون قدر الإمكان؛ لأن أساس البناء وأمل سوريا الجديدة هو التعليم

آمال وأمنيات

تبقى الأمنيات معلقة بالاستمرار في تحسين جودة التعليم في سوريا، وهو هدف لا يتحقق إلا بتضافر جميع الجهود، بدءا من الأسرة -النواة الأولى- وصولا إلى صناع القرار.

ولا يكاد ينتهي عام دراسي بما يحمله من صعاب وعوائق حتى يبدأ عام آخر يشبهه، غير أن ما يبشر بالخير هو ما نشهده من جهود حثيثة وإرادة لا تلين من الجانبين التربوي والأسري، في سبيل النهضة بأبناء سوريا ليبلغوا أعلى المراتب.

وأول الغيث -كما يُقال- قطرة، وعلى المجتمع الدولي أن يقدم يد العون قدر الإمكان؛ لأن أساس البناء وأمل سوريا الجديدة هو التعليم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان