ما الفائدة من التاريخ؟

بتراث يمتد لأكثر من 500 عام، تواصل مكتبة "الفاتيكان البابوية" أداء دورها مصدرا معرفيا ثمينا للباحثين، بما تضمه من مخطوطات نادرة، وكتب قيمة، وعملات وميداليات تعكس تنوع الحضارات والثقافات عبر التاريخ. وتُعدّ مكتبة "الفاتيكان البابوية" واحدة من أقدم المكتبات في العالم، وتضم بين رفوفها أكثر من 80 ألف مخطوطة، و300 ألف عملة وميدالية، ونحو 150 ألف لوحة وصورة. ( Barış Seçkin - وكالة الأناضول )
الكاتب: أي نظام سياسي يخشى التاريخ ويعمل على احتوائه وتدجينه، حتى يزيح كل ما قد يؤدي إلى توليد "ذهنية النقد" (وكالة الأناضول)
  • يولد الإنسان حين يقرأ التاريخ

يعتقد البعض أن التاريخ لا يحمل أية فائدة، وأن من يدرسه ليس سوى شخص غريب الأطوار، حتى إن الكثير من طلاب العلم ينعتونه بـ"شعبة الأموات".

بالطبع، لو تحدثنا عن الفائدة بالمعنى البراغماتي (الفائدة المادية أو الملموسة)، لوجدنا أن التاريخ حقا لا قيمة له؛ سيبدو كماسة وقعت بين ناس يعانون الظمأ.

إنه لا يهتم بالواقع، ومن يظن أن التاريخ وسيلة لفهم الحاضر، فهو فقط يلتمس العذر لهذا العلم حتى لا يهمله الناس. إنه محامٍ وفي، غير أنه ساذج.

الواقع ليس صخرة برزت من الأرض، بل هو مصنوع بتضحيات وحيل وإستراتيجيات وفوهات بنادق ساخنة وسيوف مخضبة بالدماء. ولن يبقى كما هو، فثمة من حاول دائما البحث عن واقع أفضل وفشل، لكن بقي جهده ظاهرا على الهوامش

التاريخ مضاد للواقع، مناقض للحاضر، لا يفهمه، بل يؤكد أن الحاضر ليس سوى نقطة صغيرة انبجست فجأة بفعل عوامل عدة حدثت فيما مضى؛ فالحاضر انبجاس بعد وقوع أحداث كثيرة سابقة.

ليس ثمة واقع قد ظهر بلا صيرورة سبقته، بلا دماء ونيران ومؤامرات واغتيالات وتعذيب وتشريد وأكاذيب. الواقع جاء من مستنقع أعماقه مليئة بوحوش تلتهم الوعي الإنساني للاستمرار.

هذا ما يحاول التاريخ إخبارنا به: إن ما نراه الآن لم يكن بريئا أو طبيعيا، ولم ينبثق من الطهارة والأرواح الطيبة، بل هناك صراعات وإفناءات وتحييدات، وانهيارات وجثث تحت الأرصفة، وأدمغة أجهضت، وقلوب ذبلت، ودموع تملأ قوارع الطرق ومرافئ السفن.

فالواقع ليس صخرة برزت من الأرض، بل هو مصنوع بتضحيات وحيل وإستراتيجيات وفوهات بنادق ساخنة وسيوف مخضبة بالدماء.

ولن يبقى كما هو، فثمة من حاول دائما البحث عن واقع أفضل وفشل، لكن بقي جهده ظاهرا على الهوامش. وعليك أن تدرك أن ما تراه ليس النهاية، بل هناك ما هو أفضل، وما يلزم هو أن يتبدل كل شيء. نحن لا نؤمن بالواقع، بل نفهمه لنتجاوزه.

إن التاريخ يوجد بين الميتافيزيقا والواقع؛ فهو يرفض التعالي الميتافيزيقي الذي ينزع الفاعلية عن الإنسان، كما يتجاوز خطاب الواقع الذي يزعم أن ما هو حاضر هو الحقيقي

سيقول أحدكم: إن هذا فهم للحاضر، إلا أن الأمر ليس كذلك، إنما هو نقد لما يوجد. فالفهم يحدث فيما وقع سابقا؛ نحاول فهم ما حدث، وبأدق عبارة: ما هو مكتوب في الوثائق وما هو باقٍ من الآثار. فنحن نسعى لفهم ما حدث لتجاوز ما يحدث.

إعلان

لهذا نجد أن أي نظام سياسي يخشى التاريخ ويعمل على احتوائه وتدجينه، حتى يزيح كل ما قد يؤدي إلى توليد "ذهنية النقد". فالأيديولوجيا المحافظة (التي تهدف إلى الإبقاء على الوضع كما هو) تتسرب عبر المقرر الدراسي في مادة التاريخ، لتجعل الذهن يرتكن إلى الحاضر على أنه أفضل نعمة حدثت، بفضل نخبة لولاها لبقيت الفوضى سائدة.

إن التاريخ يوجد بين الميتافيزيقا والواقع؛ فهو يرفض التعالي الميتافيزيقي الذي ينزع الفاعلية عن الإنسان، كما يتجاوز خطاب الواقع الذي يزعم أن ما هو حاضر هو الحقيقي.

التاريخ يخبرنا دائما أن ما هو حاضر ليس بحقيقي، فالحقيقي يوجد في المستقبل. إنه يدعم الخطاب التجاوزي، الخطاب الثوري، اليوتوبيات الواقعية، والأمل في الانعتاق.

التاريخ يقول لنا: هنا لا يوجد الإنسان؛ الإنسان هناك، في المستقبل، حين يبلغ ماهيته. ولا يولد إلا في اللحظة التي يندمج فيها في التاريخ ويهاجم الواقع.

التاريخ يخبركم، بطبيعته النقدية، أن هناك الكثير من "الواقع". فالإنسان يولد حين يقرأ التاريخ

فائدة التاريخ إذن هي خلق ذهنيات لا تستقر في الواقع الحاضر، بل تبتغي إمكانات إنسانية لتحرير الإنسان من الاستغلال. ذهنيات لا تستكين لما هو واقعي، بل تؤكد أن ما هو خير للبشر لم يأتِ بعد.

فتأكيدها أن ما نعيشه ليس سوى نتيجة لعوامل تدخل فيها الإنسان لتحدث. فإن عشناها ولم تحقق لنا ما يضمن الحاجات الضرورية للناس ويحفظ كرامتهم، فهذا يعني أن من الممكن خلق نتائج أخرى أفضل إذا تبنينا عوامل أخرى.

التاريخ يخبركم، بطبيعته النقدية، أن هناك الكثير من "الواقع". فالإنسان يولد حين يقرأ التاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان