- يُطرح سؤال جوهري في هذه المرحلة: من الذي يدير ملف الأكاديميين السوريين الأحرار بعد تحرير سوريا؟
ويُقصد بالأكاديميين: أساتذة الجامعات الذين كانوا على رأس عملهم في عهد النظام السابق، أو الذين أُوفدوا إلى الخارج وحصلوا على درجاتهم العلمية ولم يتمكنوا من العودة.
أما وصف "الأحرار"، فالمقصود به استبعاد من تورطوا في التشبيح والتواطؤ مع النظام ضد الشعب. وأما "بعد التحرير" فلها دلالتان: الأولى هي الحاجة الطبيعية إلى إعمار مؤسسات التعليم بعد سقوط النظام، والثانية التذكير بأن هذا الملف في عهد النظام كان يُدار بالكامل عبر الأجهزة الأمنية، التي جمعت بين قمعها الأمني، وخبث بعض النفوس العلمية.
المقال يسعى إلى تحريك هذا الملف وتوجيه الصوت إلى الجهات العليا، وعلى رأسها الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي عُرف بثوريته ورفضه كل أشكال التسويف والظلم.
رغم أهمية الملف، فإن الأداء بعد التحرير اتسم بالبطء والتناقض.. وزير التعليم العالي لم يخصص أي مقابلة أو بيان إعلامي يوضح فيه رؤيته للأكاديميين الأحرار
دور الأكاديميين الأحرار في الثورة
كان للأكاديميين دور بارز في الثورة السورية؛ إذ رفض كثيرون منهم الانصياع لأوامر النظام بضرورة التصدي للمظاهرات الطلابية ولو بالقوة، وقد تخلى العديد منهم عن مناصبهم العلمية والإدارية، وكان ثمن هذا الموقف التصفية أو الاعتقال. ومن الأمثلة الدكتور محمد زكريا النداف، أستاذ العقيدة في جامعة دمشق، الذي اغتاله النظام لأنه اختار الانحياز للشعب.
لم تتوقف معاناة الأكاديميين عند الاغتيال والاعتقال، بل شملت التهجير القسري، وتهريب العائلات من مناطق النظام، واعتقال ذويهم للضغط عليهم، ومصادرة أملاكهم.
كما اضطر كثير منهم للعمل في وظائف لا تناسب مكانتهم العلمية، فيما حُرم آخرون من العودة إلى الوطن لأسباب أمنية. ويدخل في هذا الاستيلاء على أملاك الأكاديميين الأحرار بتهمة الإرهاب.
إدارة الملف بعد التحرير
رغم أهمية الملف، فإن الأداء بعد التحرير اتسم بالبطء والتناقض.. وزير التعليم العالي لم يخصص أي مقابلة أو بيان إعلامي يوضح فيه رؤيته للأكاديميين الأحرار، واكتفى بعبارات عابرة عن "صندوق الدعم العلمي" أو "المواءمة مع الجامعات التركية" أو "مشروعات الذكاء الاصطناعي"، وكأن قضية الأكاديميين ليست ذات أولوية.
ورغم أن العديد من الأكاديميين رفعوا كتبا رسمية إلى الوزارة، مثل الكتاب المقدم إلى وزير التعليم العالي بتاريخ 20 يوليو/ تموز برقم الديوان (7558/011.28/5)، فإن الردود غابت كليا، ما يعكس ارتباكا إداريا واضحا.
من أبرز الإشكالات أن يصدر قرار من وزارة التنمية الإدارية، ويُطلب من الأكاديمي التوقيع عليه، وفيه "وأتعهد.. أني جاهز للمباشرة حين الطلب مني، وذلك حسب القانون الأساسي للعاملين في الدولة.."
أبرز المواقف والقرارات الرسمية
- 12 ديسمبر/كانون الأول 2024: تصريح وزير التعليم العالي بأن الوزارة ستعمل على تطوير تقنيات التعليم وتجاوز أخطاء الماضي، دون أي ذكر للأكاديميين.
- 22 ديسمبر/كانون الأول 2024: نشر رابط لتسجيل بيانات المفصولين، ثم تكرار الخطوة نفسها في 15 فبراير/شباط، ما أظهر تخبطا إداريا.
- 11 فبراير/شباط 2025: قرار الاعتراف بجميع الجامعات الخاصة، وهو ما رآه الأكاديميون تجاهلا لملفهم.
- 11 مايو/أيار: تصريح للوزير الجديد بأن مرسوما رئاسيا سيصدر لعودة الموفدين، ما منح بعض الأمل.
- 22 يونيو/حزيران: مقابلة متلفزة للوزير استغرقت 45 دقيقة، لم يأتِ فيها على ذكر الأكاديميين المنقطعين.
- 14 يونيو/حزيران: قرار وزاري جاء محبطا، إذ نصت المادة (8) على معالجة دعاوى ترك العمل "وفق القوانين والأنظمة"، أي وفق قوانين النظام السابق، من غير تحديد للتاريخ أو آلية التعويض.
- 19 أغسطس/آب: صدور إعلان من جامعة حلب -ومن غيرها من الجامعات- يطلب من المتقدمين مراجعة مديرية التنمية الإدارية شخصيا، مع منع التوكيل القانوني. وهذا من العجائب! ما هي الغاية من منع الوكالة القانونية؟! ثم ما هي الغاية من أن يأتي الأكاديمي المغترب عن بلده في وقت محدد – لا يتجاوز شهرا – ليملأ استمارة يثبت فيها أنه فلان من الناس؟! ألم يخطر في بال من أصدر القرار أن الكثير من الأكاديميين يعيشون في أستراليا، وأميركا، وأوروبا، والكثير منهم لا يجد عملا؟ فلماذا يحملهم كل هذه النفقات؟! أم إن من أصدر القرار لم يخرج من البلد أصلا، ولم يذق مرارة الغربة!
- قرار وزارة التنمية الإدارية: تضمن قائمة المفصولين ورتبهم العلمية، واحتوى على أخطاء فادحة في رتب الأساتذة، والغريب في هذا الكتاب هو الخلط في الوظائف وفي الرتب العلمية، فجاءت رتبتي – مثلا – في هذه القائمة بأني أحمل ماجستير في الشريعة، مع أني عندما تركت عملي كنت برتبة أستاذ مشارك! (وعميد مساعد للشؤون الإدارية والطلاب في كلية الشريعة بجامعة حلب). وهذا الخلط في الرتب حصل مع الكثيرين.
المؤسف أن تصريحات المسؤولين بعد التحرير تجاهلت الأكاديميين الأحرار، رغم كونهم أساسا لأي مشروع نهضوي، فالانشغال بالتصنيفات العالمية، أو بالتعاون الخارجي لا يمكن أن يسبق حل مشكلات من ضحوا بمناصبهم ودمائهم وأمنهم من أجل الثورة
مشكلات قانونية وتعقيدات إدارية
من أبرز الإشكالات -بالإضافة إلى ما سبق- أن يصدر قرار من وزارة التنمية الإدارية، ويُطلب من الأكاديمي التوقيع عليه، وفي الكتاب "وأتعهد.. أني جاهز للمباشرة حين الطلب مني، وذلك حسب القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم / 50/ لعام 2004″، وعندما نرجع إلى هذا القانون نجده يقول:
- "المادة 50: يحق للعامل الغائب على وجه قانوني خارج أراضي الجمهورية العربية السورية أن ينال إجازة صحية، أو أن يطلب تمديد إجازته الصحية بموجب تقارير طبية تُنظَم وتُسلَم للجهة العامة وفقا للقواعد والإجراءات التي تحدد بقرار من رئيس مجلس الوزراء.
- تدخل الإجازات الصحية الممنوحة بموجب الفقرة السابقة في حساب الإجازات الصحية المنصوص عليها في المادة (48) من هذا القانون".
أليس من حق الأكاديميين أن يسألوا أنفسهم: ما الدوافع إلى جلب هذه المادة؟ إذ كيف يلزم الأكاديمي بإحضار تقارير طبية لتبرير غيابه، وهو يعيش في ظروف لجوء أو اغتراب طويلة؟
عدد الأكاديميين المتضررين
أعلنت وزارة التنمية الإدارية أن عدد المفصولين من وزارة التعليم العالي وحدها يبلغ (2846) أكاديميا وفنيا على اختلاف رتبهم، ما يعكس حجم الكارثة العلمية والبشرية التي خلفها النظام وضرورة المعالجة السريعة.
تجاهل متكرر وصوت مغيَب
المؤسف أن تصريحات المسؤولين بعد التحرير تجاهلت الأكاديميين الأحرار، رغم كونهم أساسا لأي مشروع نهضوي، فالانشغال بالتصنيفات العالمية، أو بالتعاون الخارجي لا يمكن أن يسبق حل مشكلات من ضحوا بمناصبهم ودمائهم وأمنهم من أجل الثورة، بعضهم فقد حياته، وكثير منهم حُرموا من رؤية الأبوين وهم أحياء فزاروا قبورهم.. ومن هنا تتضاعف علامات الاستفهام: من يدير الملف؟
ملف الأكاديميين الأحرار قضية كرامة، ورد اعتبار للأحرار، وقبل ذلك ركيزة أساسية في مشروع بناء سوريا الجديدة. فهل يُعقل أن يستمر التسويف والتناقض الإداري بعد التحرير؟!
المطالب العاجلة للأكاديميين الأحرار
انطلاقا من الواقع المأساوي السابق، يرفع الأكاديميون الأحرار جملة مطالب مشروعة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، وأبرزها:
- طي جميع قرارات الفصل الصادرة خلال فترة الثورة، أو التي اعتُبر أصحابها بحكم المستقيلين، واعتبار المدة بمثابة إعارة خارجية غير محتسبة من الإعارات القانونية.
- منح إجازة بلا أجر لمدة سنتين قابلة للتمديد للراغبين، لإتاحة المجال لترتيب ظروف العودة.
- ضمان حق التقاعد الكلي أو الجزئي، مع احتساب سنوات العمل في الخارج ضمن الخدمة، بعد دفع الرسوم اللازمة للنقابة وصندوق التقاعد.
- احتساب الفترة المنقطعة في الترفيعات العلمية، ومعادلة الترقيات التي حصلوا عليها في جامعات معتمدة دون إلزامهم بإجراءات التعديل المعقدة.
ملف الأكاديميين الأحرار قضية كرامة، ورد اعتبار للأحرار، وقبل ذلك ركيزة أساسية في مشروع بناء سوريا الجديدة. فهل يُعقل أن يستمر التسويف والتناقض الإداري بعد التحرير؟!
ومن هنا فإن السؤال يبقى معلقا: من يدير ملف الأكاديميين السوريين الأحرار بعد التحرير؟ ألا يستحقون التفاتة لإعادة الاعتبار إلى النخبة العلمية التي وقفت مع شعبها في أحلك الظروف؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

