الشرق الأوسط أمام أخطر منعطف في تاريخه!

تقسيم الشرق الأوسط
الكاتب: الخطورة لا تكمن في الخرائط بحد ذاتها، بل في أن قبولها يعني استدامة صراعات لا تنتهي (الجزيرة)

إنها لواحدة من المفارقات الصارخة أن يصبح الشرق الأوسط اليوم ساحة مفتوحة لصراع الإرادات الغاشمة، وتنفيذ مشاريع الهيمنة وإذلال شعوبه وقهرهم، بعد أن كان رمزا للأمل والأنوار الروحية.

وما يزيد الأمر مأساوية هو النوايا التي باتت معلنة لتهجير بعض سكان هذه الأرض، وإغراق الباقين منها في حروب عبثية مدمرة، تستهدف هويتها ووجودها، ناهيك عن أن هذه المشاريع تتعارض مع جوهر القيم الإنسانية للرسالات السماوية الثلاث التي انطلقت منها، وما هذا العدد الكبير من القادمين والمغادرين منها بصفات مختلفة- ممثلين ومبعوثين- إلا نذير شؤم ومثار شك وريبة.

السماء تزدحم بالأقمار التي ترصد كل حركة، حتى إن الخصوصيات الفردية لم تعد محمية، وكذلك تزدحم الأرض بمبعوثين دوليين يتنقلون بين العواصم تحت عناوين براقة

المشهد الإستراتيجي في المنطقة لا يوحي بالاستقرار؛ فثمة شعور متزايد بأن شيئا جللا يقترب، فالقوى الكبرى تهيئ المسرح: تصريحات مبطنة وأخرى صريحة، استعراضات مرعبة لأحدث تقنيات الحروب والطائرات والعتاد العسكري التي يتم تحضيرها لقتل وإرهاب الشعوب، وحتى تجهيز خنادق بما يوحي بأن ثمة نوايا لاستخدام أسلحة فتاكة جدا، أو ربما دمار شامل! إن المشهد يوحي بأن القادم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة تهدد الكيان الإنساني برمته.

منذ أكثر من قرن، حصرت حدود سايكس- بيكو سكان هذه المنطقة ضمن خطوط يقولون اليوم إنها لم تعد نافعة؛ لأن أطماعهم أصبحت أكبر، وشرورهم ومخططاتهم أصبحت في العلن. يتحدثون عن حدود جديدة، يتم تسويقها عبر خطاب طائفي وإثني وأيديولوجي، يستند إلى تزييف ممنهج للتاريخ وتحريف للرواية.

الخطورة لا تكمن في الخرائط بحد ذاتها، بل في أن قبولها يعني استدامة صراعات لا تنتهي، وإشعال حروب بالوكالة بين شعوب المنطقة نفسها.. إعادة رسم الخرائط ليست مشروع حدود، بل مشروع فوضى طويلة الأمد، بل ربما أكثر من ذلك، لأن التهجير يشكل إحدى الأدوات التي سيستخدمونها لفرض الحدود الجديدة، وسيكون- ربما- كدعوة نوح عليه السلام لإغراق الأرض، لكن هذه المرة ليس بالماء وإنما بالدماء!

إعلان

السماء تزدحم بالأقمار التي ترصد كل حركة، حتى إن الخصوصيات الفردية لم تعد محمية، وكذلك تزدحم الأرض بمبعوثين دوليين يتنقلون بين العواصم تحت عناوين براقة.

بعض هؤلاء المبعوثين أخطر من الأقمار ذاتها؛ يزورون الحقائق، فهم متنمرون بصلافة، يبيعون الأوهام، ويقدمون الوعود للطامحين بالسلطة والمال، بينما هدفهم تمرير صفقات تُغير جوهر المنطقة… هكذا يمكن أن تتحول الدبلوماسية إلى أداة أكثر خطورة من الصواريخ.

إنها لحظة نادرة، تشبه النداء الأخير في المطارات ومحطات القطارات: من أراد أن يصعد قطار المستقبل فعليه أن يتحرك الآن؛ الزمن لا ينتظر، والقطار لن يعود أدراجه

في لحظات مفصلية من التاريخ، واجه الأنبياء خيارات مصيرية:

  • نوح عليه السلام حينما دعا ربه: "رب إني مغلوب فانتصر"، فكانت الاستجابة أن أغرق الله الأرض لينهي الفساد الذي انتشر في ذلك الزمان.
  • وزكريا عليه السلام، الذي مارس الصمت وهو يُقطع في جوف الشجرة، بعد أن أوحى الله إليه أن صرخته ستقيم الساعة.

اليوم، نحن أمام معادلة مشابهة: إما الصرخة الواعية التي تحشد الطاقات، أو الصمت القاتل الذي يفتح الباب للفوضى والانهيار. إن مستقبل المنطقة لا يُبنى بالحياد السلبي أو الصمت المريب.

هناك خياران فقط:

  • الخيار الأول: الاستعداد والتحضير بـ "بناء السفينة"، عبر مشروع إستراتيجي شامل، يركز على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التكامل الإقليمي بين البلدان المتشابهة في الإقليم، واستغلال الفرص الاقتصادية الناشئة في الطاقة والتكنولوجيا، والاعتماد على الذات بدل الارتهان للخارج. ولنتذكر أنه لا استجابة للدعاء دون الاستعداد والتحضير.. فقط عندما نحضِر ونستعد لن يخذلنا الله إذا أبحرنا وسط الأمواج العاتية.
  • الخيار الثاني: الاستمرار في ممارسة الصمت القاتل الذي سيكرر مآسي الماضي، منذ أن قتلوا زكريا (عليه السلام) وغيره من الأنبياء والرسل إلى يومنا هذا، وهذا يتيح للقوى الخارجية إعادة إنتاج مشاريع التقسيم والاقتتال.

المنطقة على أعتاب منعطف مصيري، المشهد الدولي والإقليمي يتغير بسرعة، والخيارات تضيق مع مرور الوقت

التاريخ لا يرحم المترددين، والسياسة لا تمنح فرصا لا نهائية.

إنها لحظة نادرة، تشبه النداء الأخير في المطارات ومحطات القطارات: من أراد أن يصعد قطار المستقبل فعليه أن يتحرك الآن؛ الزمن لا ينتظر، والقطار لن يعود أدراجه.

إن مسؤولية النخب وصناع القرار في العالم العربي اليوم ليست ترفا فكريا، ولا خطابا إعلاميا، بل مسؤولية وجودية: إما قيادة مشروع نجاة يليق بمكانة المنطقة وتاريخها، أو تركها تغرق في دوامة صراعات مفتوحة.

المنطقة على أعتاب منعطف مصيري، المشهد الدولي والإقليمي يتغير بسرعة، والخيارات تضيق مع مرور الوقت.. إما أن نرتقي إلى مستوى التحدي ونلتحق بقطار المستقبل، أو نسجَل في التاريخ كمن فاته النداء الأخير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان