هذه واحدة من الليالي الكبيسة؛ حيث لا نوم، ولا أمان، والمدينة تغرق في صمت قاتل مخيف، يقطعه صوت الصواريخ وارتطامها بالمباني، وأصوات أبواق إسعاف متقطعة تولول لنجدة أحدهم.
هرب النعاس مجددا، واختبأ كما جرت العادة حين تغلي المدينة براكينها، وتنصب علينا حممها النارية. فأخذت أُنازع الهاتف في محاولة للتهيؤ للنوم وخداعه؛ عله يصيبني فأغفو. فإذا بي أغوص في الصفحات الأخيرة من رواية "أرض الله.. 57 عاما من العبودية"، التي حملت إلينا حكاية رجل نبيل: الإمام عمر بن سيد.
ها أنا أكتب إليك يا عمر، وأخبرك بأننا اختُطفنا من بيوتنا، وأضحينا في سجون سادية ملؤها القمع والتعذيب. هُجرنا من بيوتنا وحُرمنا دفئها كما حُرمت أنت من بيتك
قرأت الرواية على مدى سنة كاملة، كنتُ أهرب إليها في ليالي النار الملتهبة، والباردة، في ليالي النزوح والقهر. قرأتُها، فأحببت قريتك ودفئها، وأشجارها ونهرها، وأحببت والدك الذي تعهدك بالعلم، والعلماء الذين أحاطوك كأمير صغير. أحببتُ انسياب النهرين معا: نهر الماء، ونهر العلماء.
وكرهتُ التمساح الذي سرق أختك، وأخجل وجه النهر بفعلته. وأحببت وطنك الذي تركوك بدونه يتيما عاريا حافيا، وكرهتُ التجار الذين لم أفهم بأي حق أطلقوا السفن وأرسوها على قريتك؛ فقتلوا علماءها، وأضرموا النار في عراقتها، وسحلوا رجالها ونساءها، وسلبوا منهم آدميتهم وحريتهم. لقد كانوا مغولا، وكنت "يوسفَ"، وكان عقلك بيت الحكمة ومكتبته التي لم يستطيعوا حرقها أو تدجينها.
وأكره كذلك تجار الدم الذين يسرقون قوتنا وقوت الفقراء، ويساوموننا على حياتنا بأضعاف مضاعفة، مع فرض نظرات الاحترام والتبجيل لهم.
ها أنا أكتب إليك يا عمر، وأخبرك بأننا اختُطفنا من بيوتنا، وأضحينا في سجون سادية ملؤها القمع والتعذيب. هُجرنا من بيوتنا وحُرمنا دفئها كما حُرمت أنت من بيتك.
تركنا المدينة خلفنا حزينة محطمة القلب رمادية باهتة. نزحنا كما نزحت أنت، وحُكم علينا بالظلام منذ عقود. مذ وعيتُ على نفسي وأنا أتحسس الجدران ليلا كي أصل إلى مكان في البيت. اشتدت الظلمة، فأصبحت ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة الليل، وظلمة الشرنقة التي أُحيكت حولنا، وظلمة النزوح.
حُرقت أجسادنا وأُذيبت مثلكم. قاومنا سياسة الأرقام كما جعلوكم مجرد أرقام لا قيمة لها في رفاهية حياة السيد الأبيض
لم أعد أرى شيئا، كالظلمة التي سُجنت فيها مع بني جنسك في قاع السفينة. أكلتنا الحشرات، وسكن الجرذان والقطط معا مسالمين. لا يسطو أحد على رزق أحد، إلا مشاكسات بسيطة: قطة جائعة تأخذ من الرغيف قدر حاجتها، أو جرذ مذعور يغتنم فتاتا فأتركه دون أن أُفزع رزقه.
وأنتم يا أخي سكنتم مع الجرذان والحشرات أيضا، وأثقلتكم الأمراض مثلنا. عملتم بالسخرة لتستمروا بالحياة، وأُكرهتم على الطعام بدموعكم كي لا تُزهق أرواحكم. ونحن نأكل ولا ندري ما نأكل، ونصبر لإيماننا بحتمية الابتلاء وأجره، متمسكين بروح أودعها الله فينا.
لقد ألهبوا قلوبنا بصواريخهم وقذائفهم، كما ألهبوا ظهوركم بسياطهم. أرادوا ترويضنا وختمنا كالبهائم كما حاولوا معكم، ولكن العزة التي أورثنا الله لا ينزعها أحد. قُتلنا وذُبحنا، وتُركت أجسادنا للكلاب الضارية تنهشها، وللطيور الجارحة تفقأ الأعين الذاهلة.
كما أُلقيت أجسادكم في الطرقات، يدفننا غريب تحت شجرة أو حائط ويترك علامة ليستدل علينا أهلنا لاحقا. حُرقت أجسادنا وأُذيبت مثلكم. قاومنا سياسة الأرقام كما جعلوكم مجرد أرقام لا قيمة لها في رفاهية حياة السيد الأبيض.
أتدري يا أخي؟ لقد أصبحنا نُقاس بالكيلو! والله بالكيلو! تُرمى القنابل الفتاكة فنُوزع في أكياس ليسلمنا من تبقى من ذويْنا للتراب. أرى دموعك تنبجس بصمت، وأعلم بما تُواسيني: أن هذا حال المؤمن في الدنيا، وأن الظالمين والطغاة هم أنفسهم من زمن الأخدود، وإن تبدلت الأزمنة والأمكنة.
نعم، السادة البيض، كما أسميتهم يا عمر، لن يلدوا إلا فجارا مثلهم. لا يلد الذئب إلا ذئبا، ولا الأفعى إلا أفعى. ولا يُعيننا على هذا القدر إلا رحمةُ الله
وبعد أعوام، سيأتي من يتبرأ من فعل فرعون هذا الزمان كما تبرؤوا ممن استعبدوكم، وسيصفق له العالم كرمز للرحمة والإنسانية، وهو نفسه الذي سلبنا الحياة. يهبوننا ما هو لنا أصلا، ويريدون منا أن نصفق لهم بحرارة!
لقد كانت لنا سماء عالية مسالمة، وإن كانت طائرات الاستطلاع تعكر صفوها، وكان لنا نجوم لامعة، وإن اختلطت بها الطائرات. تبددت أحلامنا فنسيناها، وصار لنا حلم واحد: إنهاء هذا الكابوس الجاثم على صدورنا (الحرب)، كما تفرد حلمك أنت ولمع: (الحرية).
عدونا واحد: عدو العلم والعلماء. قتلوا علماءنا كما قتلوا علماءكم، وهدموا مدارسنا وجامعاتنا وأحرقوها بمكتباتها. يريدون نشر الجهل والرذيلة، ثم يُنشئون مدرسة أو اثنتين ويقصون الشريط الأحمر قائلين: "أوروبا نقلت الحضارة إلى تلك البقعة الجاهلة!"
نعم، السادة البيض، كما أسميتهم يا عمر، لن يلدوا إلا فجارا مثلهم. لا يلد الذئب إلا ذئبا، ولا الأفعى إلا أفعى. ولا يُعيننا على هذا القدر إلا رحمةُ الله.
أشكر الله وأحبه؛ لأننا لسنا عنده أرقاما أو كيلوات. محكمته قائمة لا محالة، وأترك مظلمتي ومظالم إخوتي عنده في سجلات لا تُمحى ولا تُنسى
لقد أضاءت حكايتك وكلماتك حلكة أيامي؛ فألهمتني الصبر، وأورثتني الرضا، وجعلتني أستصغر ألمي مقارنة بألمك. كنت فارسا وحيدا يتسلح بالحق والعلم والإيمان في مستنقع الظلم والجهل، واليوم أنا بين أهلي وإخوتي في الدين والقضية، مأساتنا واحدة.
يزداد كاهلي ويثقل العبء في قلبي وعقلي كما أثقلك الفهم والمعرفة. ونازعتك روحك كي لا تستسلم للحاصل، وكي لا تذوب روحك وتنسى نفسك.
أما أنا، فلن أنسى ما حييت ما عشته وما زلت أحياه. ولكن هل سأسامح يوما كما سامحت؟ ما زلتُ شابة جدا على المغفرة، وأظنني لن أسامح أبدا.
أشكر الله وأحبه؛ لأننا لسنا عنده أرقاما أو كيلوات. محكمته قائمة لا محالة، وأترك مظلمتي ومظالم إخوتي عنده في سجلات لا تُمحى ولا تُنسى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

