نهدف في هذا المقال المختصر إلى معالجة استنطاق أنظمة الذكاء الاصطناعي للحصول على أفضل ما يمكن أن تقدم من معلومات للمستخدمين؛ ونقصد بذلك كيفية صياغة الأسئلة والأوامر من أجل أقصى استفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي وأنظمته.
ويعرف هذا الفن بهندسة الأوامر (Prompt Engineering)، ويمكن وصف هندسة الأوامر بأنها فن صياغة المدخلات التي توجه أنظمة الذكاء الاصطناعي لإنتاج أفضل المخرجات من حيث الدقة والملاءمة والفائدة.
بمراجعة أعداد كثيرة من الأوامر الناجحة والفاشلة من تجارب المستخدمين، وتوصيات الدارسين في هذا المجال، يمكن استخراج أركان خمسة للأوامر الفعالة، وهي:
- الوضوح: يتعين أن يكون المطلوب واضحا في ذهن السائل، وأن يعبر عنه بدقة، فيختار كلمات لا تحتمل تفسيرات أخرى، وإنما تحدد المطلوب بشكل لا لبس فيه؛ فدقة المخرجات بقدر وضوح الأوامر.
- السياق: يحسن إعطاء النموذج معلومات عن خلفية الموضوع المطلوب؛ للمساعدة في تحديده، وتجنب الهلوسة أو إجابات خارج السياق. فإذا سألت عن منتج معين، فالجواب تريده من تاجر أم مسوق أم صانع أم مستهلك؟ فلكل وجهة نظره واهتمامه.
وإذا كان استفسارك أكاديميا، أتريد الجواب لتلاميذ الصف الخامس الابتدائي أم لطلاب الجامعة؟ فتحديد السياق يساعد النموذج في تقديم الإجابات المناسبة.
- التقييد: ونقصد به تحديد حدود الإجابة المطلوبة من حيث الطول، ومن حيث الأسلوب، وحتى من حيث المصدر. فتحديد الطول يرتبط بالسياق غالبا، والأسلوب ونبرة النص يتحددان من خلال وجهته؛ فخطاب الملوك ليس كخطاب العامة، ولا خطاب المتخصصين يشبه خطاب المبتدئين.
وأما التقييد بالمصدر فيمنع الهلوسة ويوثق المعلومات، وإن كان يحصر الجواب في المصادر المحددة. فهذا النوع يناسب المسائل القانونية والنصوص الفقهية التي يتعين فيها التوثيق، ولا يُقبل فيها التقريب أو التغيير في الألفاظ، وإنما تُطلب فيها الحرفية.
- الإيجاز: لا بد أن يكون السؤال موجزا في جملة أو اثنتين، وهنا تلزم الموازنة بين التفصيل والاختصار غير المخل؛ فمن جهة يحسن توفير تفاصيل عن الموضوع كما رأينا، ومن جهة أخرى لا نريد أن يكون السؤال نصا طويلا.
على أن النماذج الحديثة بدأت تتقبل أوامر أطول تصل فقرات متعددة، غير أن الأسلم الاختصار غير المخل وتفادي الجمل الطويلة. فإن تطلب السياق إسهابا في التفصيل، فعليك بتقطيعه في جمل مستقلة ولا تجعله جملة واحدة طويلة.
- التكرار: أو قل "التجربة والخطأ"؛ بمعنى أن على المستخدم تأمل الإجابة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، وتعديل صياغة السؤال وإعادة طرحه.
فبتكرار هذه الطريقة تتحسن المخرجات إن كان النموذج قادرا على الوصول إلى البيانات المطلوبة، وإن لم يكن فإن هذا التكرار سيؤدي به به إلى الهلوسة، وعندها يتبين السائل أنه قد "وقف حمار الشيخ في العقبة"، وأن عليه البحث في مصادر أخرى.
وتُصنف الأوامر تصنيفات مختلفة حسب المطلوب، الذي قد يكون إنشاء محتوى أو تحليل بيانات أو تقمص دور أوغير ذلك. وفي كل الحالات، يجب التفكير مليا في صياغة الأوامر وتصميمها؛ لضمان جودة مخرجاتها؛ فيمكن أن يصمم الأمر بحيث يشتمل على الدور والمهمة والتفاصيل المطلوبة، وحتى شكل المخرجات المناسبة.
على سبيل المثال: "أنت طبيب استشاري في أمراض الصدر، اكتب فقرة للتوعية بأخطار التدخين موجهة للعامة". بعد مراجعة رد الذكاء الاصطناعي يمكن تحسين المخرج بطلب إعادة صياغته في 200 كلمة مثلا أو تخفيف النبرة أو… ففي كل مرة تكون المخرجات أفضل.
الأوامر السلبية: حدد ما ترغب في تجنبه ولا تريد تضمينه.. هذه طريقة لحجب الردود من المصادر المتوقعة وغير المرغوبة
وقد يكون الأمر بتلخيص كتاب أو مدونة طويلة، في هذه الحالة يكون تكرار التجربة مفيدا بأن نطلب تلخيص الملخص الأول بإضافة قيود مثل "مع التركيز على.."، أو "في ثلاث جمل"، أو غير ذلك من القيود التي تحافظ على الهدف المطلوب.
وثمة حالات يكون الغرض فيها إقناع المتلقي؛ فيُطلب من نموذج الذكاء الاصطناعي شرح خطواته المنطقية بالتدريج قبل تقديم الجواب النهائي.
ومن الأوامر ما يتعلق بالمقارنة بين متغيرات، فيكون المخرج الأنسب جدولا من أعمدة وصفوف تُحدد عناوينها ويتولى النموذج تعبئتها. مثال ذلك "حلل هذا الموقف من وجهة نظر العميل، ثم من وجهة نظر صاحب العمل.." أو أن تعطي للنموذج نتائج تحاليل طبية في تواريخ مختلفة وتطلب منه مقارنتها والتعليق عليها، فيرد عليك بجدول مفصل فيه كل ذلك.
ومن إستراتيجيات هندسة الأوامر:
التعديل التدريجي: ابدأ الأمر بصياغة عامة شاملة، ثم ضيق الأوامر اللاحقة بناء على الردود.
هذه الطريقة تلائم جمع المعلومات عن موضوع لا تعرف عنه الكثير؛ حيث تبدأ باكتشاف عناصره، ثم توجه البحث إلى العنصر الأهم لديك، ثم تتوسع في هذا العنصر أو تبحث في عنصر آخر من الموضوع. فكأنك تنشئ فهرسة أو تبويبا لهذا الموضوع ببحثك فيه.
- الأوامر متعددة الأجزاء: لا تشحن طلبات متعددة في أمر واحد، بل قسم الطلبات المعقدة إلى أقسام مرقمة، وحبذا إذا كانت متسلسلة تسلسلا منطقيا.
فبدلا من أن تطلب من النموذج: "حدثنا عن أشهر قصائد نزار قباني ووظائفه وطفولته وأهم محطات حياته"، تطرح أربعة أسئلة منفصلة. ولكن يمكنك- بعد السؤال الأخيرـ أن تطلب من النموذج صياغة الإجابات في فقرة متناسقة.
- أوامر ما بعد الأوامر: اطلب من الذكاء الاصطناعي تحسين أمرك.. هذه طريقة أخرى لتحسين الأوامر، إلا أن النموذج قد يهلوس فيأتيك بما لا يخدمك أبدا، وذلك غالبا لعدم تمكنه من فهم مرادك؛ إما لغياب مادة مناسبة ضمن تدريبه ومحتواه، وإما لغموض في ألفاظ الأمر.
- الأوامر السلبية: حدد ما ترغب في تجنبه ولا تريد تضمينه.. هذه طريقة لحجب الردود من المصادر المتوقعة وغير المرغوبة. تفيد هذه الطريقة إذا كان الأمر يحتوي ألفاظا ذات معانٍ متعددة وتريد تحاشي بعضها؛ مثال ذلك: "اشرح لنا ظاهرة الانشطار النووي، ولا نقصد الخلايا الحية".
- التحكم بالإبداعية: (عند التوفر) لضبط التوازن بين الإبداع والدقة.. بعض النماذج المتخصصة في ميادين معينة تتمتع بميزات زائدة في مجالها؛ فهذا النموذج المتخصص في صياغة البيانات الصحفية مثلا، قد تطلب منه صياغة بيان موجه لدولة صديقة، وآخر موجه لدولة خصم، وثالث موجه للداخل، ورابع موجه لفئة معينة من أصحاب المصلحة.. كل ذلك عن الحادثة ذاتها! فيأتيك بأربعة بيانات بنبرات ولغات وصياغات متباينة تماما، وكل صيغة تناسب الموقف من أصحابها. فالنماذج المتخصصة عادة تتميز بصفات إبداعية لا تتوفر في النماذج العامة بنفس المستوى.
تذكر أن كتابة الأوامر عملية تكرارية.. قد لا تكون الاستجابة الأولى مثالية، ولكن يمكنك تحسين أوامرك بناء على مخرجات الذكاء الاصطناعي للحصول على نتائج أفضل تدريجيا
ومن الأخطاء الشائعة التي يجب تجنبها:
- الغموض (مثل: اكتب شيئا عن التسويق).
- الإفراط في التفاصيل غير الضرورية.
- عدم تحديد الشكل المطلوب.
- عدم تقديم سياق كافٍ.
- تجاهل حدود الذكاء الاصطناعي.
وأخيرا، هذه قائمة من الأسئلة تساعد المستخدم في مراجعة وتحسين الأوامر:
- هل حددت هدفي بوضوح؟
- هل وفرت سياقا كافيا؟
- هل حددت الشكل/الطول المطلوب؟
- هل تضمنت القيود ذات الصلة؟
- هل أعطيت الذكاء الاصطناعي دورا/منظورا مناسبا؟
- هل يمكن أن يُساء فهم هذا الأمر؟ كيف يمكن توضيحه؟
تذكر أن كتابة الأوامر عملية تكرارية.. قد لا تكون الاستجابة الأولى مثالية، ولكن يمكنك تحسين أوامرك بناء على مخرجات الذكاء الاصطناعي للحصول على نتائج أفضل تدريجيا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

