فليقل خيرا أو ليصمت

الكاتب: يعتبر الصمت بيئة مثالية للتفكير الإبداعي، وتوليد الفِكر، حيث يمنح الهدوء اللازم للتأمل والابتكار (شترستوك)

قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت".

نحن في عالم متغير، مفعم بالحركة السريعة، ونتعرض يوميا إلى كم هائل من المعلومات والأفكار.. تجعلنا الرسائل النصية متصلين باستمرار، تنهال علينا رسائل البريد الإلكتروني، وتتدفق الصور والفيديوهات.

وفي عالم السرعة والتقنيات هذا نحتاج الصمت كعبادة خفية، ومهارة واقية، ولغة لا يتقنها إلا من اختار أن يكون عميقا في زمن السطحية.

الصمت لا يعني الانطواء، بل وعيا يدعو الإنسان إلى التحكم في لسانه، وهو أكثر فاعلية أحيانا من الكلام.. تقود لحظات الصمت إلى تأمل علاقة الإنسان بخالقه، وهي مساحة للاتصال الصادق مع الله.

ما هو الصمت؟

الصمت حالة من تهدئة العقل، والبحث في الداخل؛ فكل ما تحتاج إليه في حياتك موجود في داخلك، ولن تستطيع اكتشافه إلا في حال جلوسك مع نفسك.. الصمت ليس مجرد غياب للصوت، إنه حالة من الوعي والحضور.

في الصمت نجد السكينة التي تسمح بملاحظة مشاعرنا وفِكرنا دون حكم أو تشتت، وهذا يعزز من قدرتنا على التحكم في ردود أفعالنا، واتخاذ قرارات أكثر حكمة.

وهو أداة قوية للتخلص من التوتر والإجهاد، حيث يخلق مساحة للجسد والعقل للراحة والتجدد. والصمت يعلمنا الصبر والتسامح، ويساعدنا على بناء علاقات أعمق، ويمنحنا فرصة إعادة التركيز على أهدافنا وغاياتنا.

يخلق الصمت مساحة لك كي تفكر، وبالتالي ترى الواقع بوضوح أكبر، وتصبح أكثر تركيزا وأقل إجهادا.. نحن بحاجة إلى إيقاف ثرثرة التفكير والإصغاء. قال الإمام الشافعي:

وجدت سكـوتي متـجـرا فلـزمـتــه   إذا لم أجد ربــحا فـلســت بخـاســر

وما الصمت إلا في الرجال متاجر   وتاجره يعـلـو علــى كـــل تاجـــر

العقل الصامت عقل نشط بصورة مدهشة، إنه عقل قوي غير موجه نحو أمر بعينه، ومتحرر من التجربة والمعارف المخزنة في الذاكرة، وهذا يجعله قادرا على إدراك حقيقي

إن الصمت في عالم صاخب ليس أمرا سهلا، لكنه ممكن.. أنت تستطيع خفض الصوت كي تعيد الانسجام إلى حياتك؛ امنح نفسك الوقت لتتذوق الصمت! ببساطة، أغلق مسببات الضجيج، خصص وقتا تقضيه في الطبيعة بعيدا عن الأصوات، تعلم أن تعامل رحلاتك الداخلية كفضاء مقدس.

إعلان

يمكن للصمت أن يكون وسيلة رائعة لحفز إبداعك.. في الصمت يفهم الإنسان نفسه، ودون أن يفهمها لن يمضي بعيدا، ومهما حاول لن يتجاوز حدود معرفته وإسقاطاتها على كل ما يلمسه ويراه ويسمعه.

اجلس بصمت وأنصت لجميع الأصوات حولك، القريبة منها والبعيدة، فكلما أصغيت لكل ما يجري حولك كان صفاء ذاتك أكبر.. إنها حالة تتيح لنا سماع شيء أبعد من الكلمات؛ فالكلمات تشوشنا، وهي ليست إلا وسيلة للتواصل الخارجي، لكننا بالإنصات نريد التواصل الداخلي. كما أن الفضيلة نتاج طبيعي لحال الخلوة تلك، وتؤدي إلى إحساس استثنائي بالنقاء والطاقة.

أن ننفرد يعني أن نتحرر من جميع المؤثرات والتداخلات المحيطة، وفي التحرر يكمن الإبداع!

"تسألني كيف أستطيع الحفاظ على هدوئي فلا أنزعج عندما يجن جنون من حولي.. ماذا يمكنني أن أقول لك؟ لم آتِ إلى هذا العالم لأثير بلبلة فيه، أليس متقلقلا بما فيه الكفاية أصلا؟" (فيلسوف يوناني).

فن الصمت

نتعرض في حياتنا إلى العديد من المواقف والظروف التي تتطلب منا التحلي بالصمت والتصرف بحكمة؛ إلا أن الصمت مهارة وفن لا يستطيع الجميع الفوز به.. لا يعتبر الصمت دليلا على الضعف، بل قد يكون أقوى أنواع الردود وأكثرها مناسبة لبعض المواقف التي قد نتعرض لها.

وتختلف قدرات ومهارات الناس في قابلية تعلم الصمت بحسب مستوى وعي الفرد، وقدرته على احترام الآخرين من حوله وفهمهم. ويمكن اكتساب مهارة الصمت من خلال بعض الخطوات البسيطة:

  • التدرب الذاتي، وهو تدريب المرء لنفسه على إتقان الصمت، من خلال إتاحة الفرصة لنفسه لتوجيه ذاته.
  • التحكم بالنفس أثناء المناقشات، خاصة عندما يتحدث أشخاص يميلون للثرثرة دون ترك فرصة للطرف الآخر، ويكون دور الصمت هنا تقديم الحل الأمثل لإنهاء الحديث.
  • أخذ دور المستمع، بتنمية مهارة الاستماع، وتجنب التعبير عما يدور في ذهن المرء قبل سماع جميع آراء وفِكر الآخرين.
  • استثمار لحظات الصمت بالكتابة، مثل التدوين الذي يساعد المرء على المحافظة على صمته، كما يصبح أكثر وعيا.

يزدهر العقل بالإنصات النابع من فهم الذات ويقوى، فنحن لا نصغي بحق لأن عقولنا ممتلئة. وإن العقل المنصت بانتباه تام لن يبحث عن نتيجة لإنصاته، لأن إمكاناته تتكشف باستمرار

فوائد الصمت

للصمت فوائد عديدة يجنيها من يتحلى بهذه الصفة، ومنها:

  • الوضوح الذهني: نستطيع التفكير ومعالجة مشاعرنا بشكل أفضل عندما لا تشتتنا الضوضاء، فيصبح لدينا القدرة على اتخاذ قرارات أفضل.
  • تحفيز نمو الدماغ: أثبتت الدراسات أن الصمت لمدة ساعتين على الأقل يمكن أن يساعد في نمو خلايا جديدة في الدماغ، خاصة خلايا التعلم والتذكر.
  • الرضا والحكمة: من يختار الصمت يكتسب هدوءا وسلاما، ويكتشف أبعادا جديدة في الحياة.
  • تهدئة العقل: يساعد الصمت على التخلص من التفكير الزائد والضغط النفسي، ويمنحك الفرصة لترتيب فِكرك والتفكير بوضوح.
  • تقليل التوتر والقلق: يمنح الصمت المرء فرصة للاسترخاء والهدوء النفسي.
  • تحفيز الإبداع: يعتبر الصمت بيئة مثالية للتفكير الإبداعي، وتوليد الفِكر، حيث يمنح الهدوء اللازم للتأمل والابتكار.
  • تنمية مهارة الاستماع: الجلوس في هدوء، وممارسة الصمت، مما يجعل المرء مستمعا أفضل، ويكسبه احترام الآخرين وثقتهم.

العقل الصامت عقل نشط بصورة مدهشة، إنه عقل قوي غير موجه نحو أمر بعينه، ومتحرر من التجربة والمعارف المخزنة في الذاكرة، وهذا ما يجعله قادرا على إدراك حقيقي

وأخيرا..

لن نعبر إلى حالة الهدوء والسكينة إلا بمرورنا عبر جسر الصمت.

إعلان

يزدهر العقل بالإنصات النابع من فهم الذات ويقوى، فنحن لا نصغي بحق لأن عقولنا ممتلئة. وإن العقل المنصت بانتباه تام لن يبحث عن نتيجة لإنصاته، لأن إمكاناته تتكشف باستمرار من خلال انتباهه الدائم، وهو أشبه بالنهر دائم التدفق.

العقل الصامت عقل نشط بصورة مدهشة، إنه عقل قوي غير موجه نحو أمر بعينه، ومتحرر من التجربة والمعارف المخزنة في الذاكرة، وهذا ما يجعله قادرا على إدراك حقيقي.

"وفي التزام الصمت، تجد الروح السبيل في نور أوضح، وما هو محير ومضلل يتحول بنفسه إلى الوضوح الشفاف" (غاندي).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان