يدخل قطاع غزة يومه الـ704 من الإبادة الجماعية، التي يشنها جيش الاحتلال الصهيوني بقيادة نتنياهو وبن غفير، حيث لم تتوقف آلة القتل منذ ما يقارب عامين، بل ازدادت شراسة ووحشية مع مرور الوقت. غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، وليست مجرد جغرافيا محروقة تحت القنابل، بل هي عنوان للإنسانية الجريحة، وجرح مفتوح في ضمير العالم.
على الرغم من وضوح الجريمة، يقف العالم في معظمه صامتا، وكأن قتل الفلسطينيين لا يعني شيئا في قاموس الإنسانية! بعض الدول تكتفي ببيانات الإدانة، وأخرى تواصل تزويد الاحتلال بالسلاح والدعم السياسي
القتل بلا توقف
مع اندلاع الحرب الشاملة على غزة منذ ما يقارب السنتين، تحولت حياة مليوني إنسان إلى جحيم لا يُطاق؛ الطائرات الحربية لا تفارق سماء القطاع، والمدفعية الثقيلة لا تهدأ، والزوارق الحربية الصهيونية تواصل قصف الساحل واستهداف كل ما يتحرك.
المجازر تتكرر بشكل يومي: عائلات تُباد بالكامل تحت أنقاض منازلها، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، ونساء يُقتلن في مخيمات اللجوء التي لم تعد آمنة، والمستشفيات لم تسلم هي الأخرى من القصف والتدمير، فيما تحولت المدارس والمساجد والكنائس إلى مقابر جماعية.
مجاعة تفتك بالبشر
لكن القصف وحده لم يكن السلاح الوحيد للاحتلال؛ فالحصار هو السلاح الأشد فتكا والأكثر قسوة. اليوم، يعاني سكان غزة من مجاعة جماعية غير مسبوقة.. الجوع ينهش أجساد الأطفال قبل الكبار، والوجوه الغضة تحولت إلى عظام بارزة وعيون غائرة تبحث عن لقمة تسند الحياة.
الأمهات يعجزن عن توفير الطعام لأطفالهن، والآباء يقفون عاجزين أمام صرخات الجوع… بعض العائلات لا تجد ما تأكله سوى الأعشاب أو الدقيق الممزوج بالماء الملوث. أما المياه الصالحة للشرب، فقد باتت حلما بعيد المنال.
شحّ المياه وصل إلى مستوى كارثي، إذ يضطر كثير من الناس إلى استخدام مياه غير صالحة للشرب أو للطبخ ولا حتى للاغتسال. الأمراض تنتشر بسرعة، وأجهزة الأمم المتحدة تحذر من أن غزة تسير بخطوات متسارعة نحو كارثة إنسانية تاريخية قد تسجَّل كأسوأ مجاعة في القرن الحادي والعشرين.
عالم صامت وحكومات متواطئة
على الرغم من وضوح الجريمة، يقف العالم في معظمه صامتا، وكأن قتل الفلسطينيين لا يعني شيئا في قاموس الإنسانية! بعض الدول تكتفي ببيانات الإدانة، وأخرى تواصل تزويد الاحتلال بالسلاح والدعم السياسي، مما يجعلها شريكا مباشرا في الجريمة.
أما الأنظمة العربية، فبين صامت ومطبع، ومتخاذل. ورغم ذلك، تظل الشعوب العربية والإسلامية، ومعها شعوب العالم الحر، تقف إلى جانب غزة بصرخاتها واحتجاجاتها ومسيراتها، حتى لو لم تمتلك الجيوش والدبابات.
كل سفينة تبحر نحو غزة، حتى وإن لم تصل، فإنها تكسر جدار الصمت، وتُحرج العالم، وتفضح التواطؤ الدولي
أسطول الصمود: أمل يتحدى الحصار
في هذه الأجواء القاتمة، يطل من البحر بارق أمل اسمه "أسطول الصمود" إلى غزة… هذا الأسطول الذي انطلق من ميناء برشلونة الإسباني، ويقف اليوم في تونس بانتظار اكتمال وصول جميع السفن وإصلاح بعض الأضرار، يحمل رسالة إنسانية قبل أن يحمل المساعدات.
الهدف واضح: كسر الحصار المفروض على غزة، وإيصال المعونات الإنسانية، خصوصا للأطفال الذين يشكلون أكثر من نصف سكان القطاع. ورسالة المشاركين في هذا الأسطول بسيطة وعميقة في الوقت ذاته: "مهمتنا سلمية، ولا تخيفنا تهديدات نتنياهو وبن غفير".
هؤلاء الرجال والنساء القادمون، وهم من جنسيات مختلفة، ومن ديانات وخلفيات متعددة، يوحّدهم إيمان راسخ بأن غزة ليست وحدها، وأن العالم لا يمكن أن يظل رهينة صمت الساسة وتواطؤ الحكام.
إن وصول هذه السفن إلى شواطئ غزة، أو حتى اعتراضها في عرض البحر، يشكل فضيحة سياسية وأخلاقية للاحتلال
لماذا البحر؟
لأن البحر هو آخر نافذة يتنفس منها الفلسطينيون في غزة؛ البر محاصر بالأسلاك والجدران والجنود، والجو مستباح لطائرات الاحتلال، فلم يبقَ سوى البحر ليحمل رسالة الحرية.
إن اختيار البحر ليس مغامرة عبثية، بل فعل مقاومة سلمية في وجه الاحتلال؛ فكل سفينة تبحر نحو غزة، حتى وإن لم تصل، فإنها تكسر جدار الصمت، وتُحرج العالم، وتفضح التواطؤ الدولي.
الاحتلال بين الرعب والفضيحة
يعلم نتنياهو وبن غفير أن هذه السفن لا تحمل أسلحة، ولا تهديدا عسكريا، لكنها تحمل ما هو أخطر على مشروعهم الإجرامي: تحمل الحقيقة!
إن وصول هذه السفن إلى شواطئ غزة، أو حتى اعتراضها في عرض البحر، يشكل فضيحة سياسية وأخلاقية للاحتلال. كيف لدولة تزعم الديمقراطية أن تخشى من قافلة تحمل حليب الأطفال وحقائب الأدوية؟
الرعب الذي يعيشه قادة الاحتلال من أسطول الصمود ليس رعبا عسكريا، بل هو رعب من الحقيقة، من كسر الحصار الإعلامي والسياسي، ومن تعرية وجه الكيان أمام العالم.
غزة رمز المقاومة والصمود.. رغم الجوع، رغم الدمار، رغم المجازر، تظل غزة صامدة! إنها ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل هي رمز لشعب يرفض الاستسلام.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

