إستراتيجية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الساعية لفرض احتلال على قطاع غزة إلى أمد غير محدود، تتسبب في أزمة حادة ومتصاعدة داخل جيش الدفاع الإسرائيلي.
ما بدأ كحملة لتفكيك حماس تحول إلى صراع دائم ومنخفض الحدة، وهو ما يجهد الجيش الإسرائيلي ويدفعه إلى نقطة الانهيار. هذه الخطة، المدفوعة بأهداف سياسية، لا تفشل في تحقيق الأمن فحسب، بل تلحق أضرارا عميقة بمعنويات الجيش، وجاهزيته العملياتية، وأسسه التي يقوم عليها.
حذر جنرالات ومحللون عسكريون إسرائيليون سابقون مرارا وتكرارا من أن إستراتيجية نتنياهو في غزة هي خطأ إستراتيجي يضحي بالأمن القومي من أجل البقاء السياسي
حرب بلا نهاية
كان للمرحلة الأولى من عملية إسرائيل العسكرية في غزة أهداف واضحة، وإن كانت طموحة: تدمير قدرات حماس العسكرية والحكومية، وتأمين إطلاق سراح الرهائن.
لكن، بعد قرابة عامين، أدى غياب خطة سياسية قابلة للتطبيق "لليوم التالي" إلى إغراق الجيش الإسرائيلي في احتلال مكلف ودائم؛ لقد رفض بنيامين نتنياهو مرارا مقترحات تتعلق بسلطة فلسطينية متجددة، أو قوة دولية لحكم غزة، مصرّا على فرض سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة.
هذه السياسة أجبرت الجيش على لعب دور غير مهيأ للاستمرار فيه: ضبط الأمن لسكان معادين، يزيد عددهم عن مليوني نسمة، وسط مشهد حضري مدمر. فالجنود لا يخوضون معارك حاسمة، بل ينخرطون في حلقة لا تنتهي من المداهمات وعمليات مكافحة التمرد، والرد على هجمات حرب العصابات.
وقد حوّل هذا الوضع غزة إلى مستنقع إستراتيجي يستنزف الموارد العسكرية والأفراد، دون وجود نصر واضح في الأفق… ويتحول هذا الوضع بشكل متزايد إلى ما يشبه احتلال إسرائيل الكارثي جنوب لبنان، الذي دام 18 عاما، وهو صراع انتهى بانسحاب أحادي الجانب، وترك ندوبا عميقة في نفسية الأمة.
انهيار الروح المعنوية للجنود
إن النتيجة الأكثر مباشرة لهذه الحرب المفتوحة هي تآكل الروح المعنوية في صفوف الجيش.. لقد تم استدعاء الجنود الإسرائيليين، وخاصة آلاف جنود الاحتياط الذين يشكلون العمود الفقري للجيش، وهم يعتقدون أنهم يقاتلون في حرب من أجل بقاء بلادهم. أما الآن، فيشعر كثيرون منهم أنهم مجرد أدوات لتنفيذ سياسة تهدف إلى الاحتلال الدائم.
تشير تقارير من داخل الجيش الإسرائيلي، وفي الصحافة الإسرائيلية، إلى حالة من الإرهاق المنتشر والاضطراب النفسي والشعور المتزايد، وتصفها بالعبثية. وتشمل العوامل الرئيسية التي تساهم في هذا التدهور ما يلي:
- غياب المهمة الواضحة: يكافح الجنود لفهم الهدف من وجودهم المستمر؛ لقد تحول الهدف من هزيمة عدو إلى السيطرة على أرض إلى أجل غير مسمى، وهي مهمة تبدو خطيرة وعديمة الجدوى في آن واحد.
- الخطر المستمر: تعني حرب المدن ضد مقاومة صامدة أن كل دورية وكل مبنى يحمل خطرا هائلا.. إن التوالي البطيء، والمستمر في الوقت نفسه، للخسائر البشرية له تأثير مدمر على تماسك الوحدات ومعنوياتها.
- الأعباء الأخلاقية: إن المهام اليومية المتمثلة في إدارة نقاط التفتيش، ومداهمات المنازل، والتعامل مع السكان المدنيين في ظل المعاناة، تفرض ضغوطا أخلاقية ونفسية ثقيلة على الجنود الشباب.
- رفض الخدمة في الاحتياط: الأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للقيادة العسكرية هو الزيادة الكبيرة في ظاهرة "الرفض" (المعروفة بالعبرية بسارفانوت) بين جنود الاحتياط. فبعد أن كانت ظاهرة هامشية، أصبح رفض الخدمة فيما يُنظر إليه على أنه حرب سياسية للاحتلال أكثر شيوعا، مما يهدد العقد الاجتماعي الأساسي للجيش.
أدى التركيز المكثف على غزة إلى جعل إسرائيل ضعيفة إستراتيجيا على جبهات أخرى؛ ويعاني الجيش الإسرائيلي من إرهاق عملياتي شديد. فالمعدات العسكرية تعاني من تآكل شديد، ومخزونات الذخيرة آخذة في النضوب
الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي
لقد ألحقت التعبئة المطولة لعشرات الآلاف من جنود الاحتياط أضرارا بالغة بالاقتصاد الإسرائيلي.. فهؤلاء ليسوا مجرد جنود؛ إنهم أطباء ومهندسون ورواد أعمال في قطاع التكنولوجيا ومعلمون، وقد أدى غيابهم المطول إلى نقص حاد في العمالة، وتعطيل سلاسل التوريد، وإعاقة الابتكار في قطاع التكنولوجيا الحيوي في البلاد. كما اضطرت الشركات الصغيرة إلى الإغلاق، وتكافح العائلات مع فقدان الدخل، والخسائر العاطفية الناجمة عن الفراق.
لقد خلق هذا صدوعا عميقة في المجتمع الإسرائيلي؛ إذ يتنامى الشعور بالعبء غير المتكافئ، حيث يأتي جزء كبير من جنود الاحتياط من الشريحة العلمانية من الطبقة الوسطى، وفي غضون ذلك يواصل مجتمع اليهود المتدينين (الحريديم)، المعفي إلى حد كبير من الخدمة العسكرية، حياته دون انقطاع.
ويثير هذا التفاوت احتجاجات واسعة النطاق، حيث تنضم عائلات الجنود إلى المتظاهرين المناهضين للحكومة، للمطالبة بإنهاء الحرب ووضع خطة ملموسة للمستقبل.
جيش منهَك على حدود متقلبة
أدى التركيز المكثف على غزة إلى جعل إسرائيل ضعيفة إستراتيجيا على جبهات أخرى؛ ويعاني الجيش الإسرائيلي من إرهاق عملياتي شديد. فالمعدات العسكرية تعاني من تآكل شديد، ومخزونات الذخيرة آخذة في النضوب، ولم يكن هناك وقت كافٍ للتدريب والاستعداد لتهديدات أخرى.
يكمن الخطر الأكبر على الحدود الشمالية مع حزب الله في لبنان.. فحزب الله، الذي يعد قوة عسكرية أكثر ضخامة من حماس، قد يشن هجمات عبر الحدود، وإن قدرة الجيش الإسرائيلي على شن حرب شاملة في الشمال، بينما يتمركز جزء كبير من قواته البرية في غزة، معرضة للخطر الشديد.
وهذا يؤدي إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية؛ فالخصوم الإقليميون يرون جيشا إسرائيليّا منهكا وممتدا بشكل يفوق طاقته، مما قد يغري بتفجير مزيد من الصراع. وقد حذر جنرالات ومحللون عسكريون إسرائيليون سابقون مرارا وتكرارا من أن إستراتيجية نتنياهو في غزة هي خطأ إستراتيجي يضحي بالأمن القومي من أجل البقاء السياسي.
إن خطة احتلال غزة إلى أجل غير مسمى لا تجعل إسرائيل أكثر أمانا، بل إنها تفكك بشكل منهجي أهم أصولها الإستراتيجية: جيشها
الأهداف السياسية مقابل الواقع العسكري
إن الأزمة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي هي نتيجة مباشرة للصدام بين طموحات رئيس الوزراء السياسية والمنطق العسكري.. وبحسب ما ورد، ضغطت هيئة الأركان العامة للجيش من أجل الوضوح الإستراتيجي، وإيجاد حل سياسي لغزة ما بعد الحرب، مدركة أن الحل العسكري البحت مستحيل.
ويدرك القادة العسكريون أنه بدون حكم شرعي يكون بديلا لحماس، سيظل الجيش الإسرائيلي محاصرا في تمرد لا يمكن الانتصار فيه إلى الأبد.
ومع ذلك، يعتمد ائتلاف نتنياهو الحاكم على سياسيين من اليمين المتطرف، يدعون علنا إلى إعادة بناء المستوطنات الإسرائيلية في غزة، والتهجير الدائم للفلسطينيين.
وللحفاظ على سلطته، تبنى رئيس الوزراء رؤيتهم للسيطرة غير المحدودة، متجاهلا التحذيرات الخطيرة من قيادته العسكرية، ويدفع جنود الجيش الإسرائيلي ثمن هذه الحسابات السياسية.
في الختام، إن خطة احتلال غزة إلى أجل غير مسمى لا تجعل إسرائيل أكثر أمانا، بل إنها تفكك بشكل منهجي أهم أصولها الإستراتيجية: جيشها.
فمن خلال محاصرة الجنود في صراع ميؤوس منه، واستنزاف الاقتصاد، وإضعاف موقفها ضد التهديدات الكبرى، تقود سياسة نتنياهو الجيش الإسرائيلي إلى مسار من الإرهاق والأزمات، مع تداعيات خطيرة على أمن الدولة في المستقبل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

