منذ بداية العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، تتكشف ملامح جريمة معقدة لا تقف عند حدود القصف والقتل المباشر، بل تمتد إلى استخدام الجوع كسلاح منهجي لإخضاع السكان المدنيين.
هذه السياسة، التي يطلق عليها في الدراسات الحقوقية والإنسانية مصطلح "هندسة التجويع"، ليست جديدة في تاريخ الصراعات، لكنها في غزة تأخذ شكلا مركبا وخطيرا من حيث الحجم والآليات والآثار طويلة الأمد.
تعريف "هندسة التجويع"
"هندسة التجويع" هي ممارسة متعمدة، تستخدم الحرمان من الغذاء والماء والمقومات الأساسية للحياة كوسيلة عسكرية وسياسية بهدف:
- كسر الإرادة الجماعية للمجتمع المستهدف.
- إحداث تفكك اجتماعي وسياسي داخلي.
- فرض التهجير القسري، وإعادة رسم الواقع الديمغرافي.
- إضعاف البيئة المعادية، وتحويلها إلى منطقة غير قابلة للحياة.
- استنزاف الخصوم، ودفعهم إلى الاستسلام تحت الضغط الإنساني.
هذه السياسة تتجاوز في نتائجها البعد العسكري؛ لتتحول إلى جريمة إبادة جماعية ممنهجة، ترتكب باسم "الردع" أو "الضغط السياسي"، بينما جوهرها هو العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي.
في العدوان الأخير، مارست إسرائيل على غزة، وما تزال، أقسى نموذج حي لهندسة التجويع في العصر الحديث
الأدوات والآليات المستخدمة
تمارَس "هندسة التجويع" عبر طيف واسع من الأدوات، أهمها:
- الحصار الكامل أو الجزئي للموارد (غذاء، دواء، كهرباء، ماء).
- استهداف مصادر العيش كالزراعة، والأسواق، ومخازن الغذاء، والبنى التحتية.
- التحكم في قنوات الإغاثة وجعلها أدوات ضغط، أو تحويلها إلى كمائن للموت.
- فرز أمني بيومتري، يميز بين من يستحق الحياة ومن يحرم منها، بناء على معايير سياسية أو أمنية.
- التلاعب بالوعي الجمعي من خلال خلق تبعية مطلقة للعدو في البقاء، ما يؤدي إلى هزيمة نفسية طويلة الأمد.
شواهد تاريخية مماثلة
"هندسة التجويع" ليست وليدة اللحظة؛ لقد استخدمت سابقا كأداة إبادة في حالات عدة، منها:
- حصار لينينغراد (1941-1944): توفي ما يقارب مليون مدني جوعا، في واحدة من أطول وأقسى حصارات القرن العشرين.
- خطة الجوع النازية: أسفرت عن موت ملايين في أوكرانيا وروسيا بهدف السيطرة الغذائية على الشعوب.
- بيافرا (نيجيريا): حصار تسبب في مجاعة أودت بحياة نحو مليوني مدني.
- هولودومور (أوكرانيا 1932–1933): استخدم النظام السوفياتي التجويع لترويض الفلاحين الأوكرانيين.
- المجاعة الأيرلندية الكبرى: أدت إلى وفاة وتهجير الملايين نتيجة سياسات استعمارية بريطانية ممنهجة.
يجب على المستوى الدولي توثيق الجريمة ورفعها للجنائية الدولية؛ باعتبار التجويع جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي
شواهد حديثة على استمرار هذه الجريمة
في العقود الأخيرة، تم توثيق استخدام هذا السلاح في حالات متعددة:
- سوريا: الحصار على الغوطة والحصار على مضايا نتج عنهما وفاة مدنيين بالجوع، وارتكاب تهجير قسري تحت الضغط الغذائي.
- العراق: الحصار الأممي في التسعينيات أسهم في وفاة مئات آلاف الأطفال، وتفكك بنية الدولة والمجتمع.
- اليمن: تسببت الحرب في مجاعات حادة، وانهيار كامل لمنظومة الرعاية الصحية، وتهجير داخلي جماعي.
التجويع كسلاح مركزي في الحرب على غزة
في العدوان الأخير، مارست إسرائيل على غزة، وما تزال، أقسى نموذج حي لهندسة التجويع في العصر الحديث، من خلال:
- حصار كامل للبنية الأساسية: الغذاء، الماء، الكهرباء، الوقود.
- تجويع قسري: تقارير أممية تؤكد تفشي سوء التغذية، وموت أطفال وكبار سن جوعا، وسط عجز صحي كارثي.
- تحويل مراكز الإغاثة إلى مصائد موت: استهداف مباشر لنقاط توزيع المساعدات، وسقوط أكثر من ألف ضحية أثناء بحثهم عن الطعام.
- فرز بيومتري ومعابر خاضعة للرقابة: تمنع دخول الغذاء لفئات واسعة، وتخضع من يسمح لهم لشروط مذلة.
- سيطرة مالية محكمة: منع إدخال النقد، وفرض التداول بعملات معينة، مما أدى إلى شلل تجاري وانهيار اقتصادي داخلي.
- خلق بيئة للفوضى والنهب: عبر غض الطرف عن عصابات مسلحة تسيطر على المساعدات، وتضخم الأسعار بشكل جنوني، ما زاد معاناة المحاصَرين.
إن "هندسة التجويع" ليست مجرد سلوك عسكري عابر، بل هي عقيدة إبادة مؤسسية تحمل بصمات مجرمين، سيسجلهم التاريخ كما سجل من سبقهم
الآثار الراهنة لهندسة التجويع في غزة
النتائج المباشرة والمستمرة لهذه الجريمة تشمل:
- مجاعة مزمنة تؤدي إلى وفيات جماعية بين الأطفال والنساء.
- انهيار المنظومة الصحية والتعليمية والاجتماعية والقيمية.
- تفكك بنيوي للأسرة والمجتمع، وتنامي اضطرابات نفسية حادة.
- تحول النسيج الاجتماعي إلى ساحة قهر وبقاء بدائي في ظل غياب الدولة والمؤسسات.
نماذج الصمود في وجه التجويع
رغم الوحشية، أظهرت المجتمعات المحاصَرة قدرات صمود مذهلة:
- في لينينغراد: وزعت شُرْبة الحصار، واحتضنت الثقافة، ودونت الشهادات للمحاسبة.
- في سوريا: تأسست لجان شعبية لتوزيع الطعام والدواء، مع مبادرات نسوية وزراعية بديلة.
- في اليمن والعراق: ظهرت الزراعة المنزلية، والمقايضة، ومبادرات الدعم الأهلي، وحملات الإغاثة الذاتية.
- في غزة: رغم المأساة، ظهرت مبادرات لإعادة تدوير الطعام، وتعليم الأطفال في المساجد والخيام، وتوثيق الجرائم إعلاميا وقانونيا.
في غزة، كما في لينينغراد، كما في مضايا، المجاعة تصنع الكارثة.. لكنها أيضا تخرج أقسى نماذج الصمود البشري، وتراكم سردية لا تموت، تحفظها الذاكرة، وتلاحق الجناة إلى الأبد
المطالب العاجلة على المستوى الدولي
- توثيق الجريمة ورفعها للجنائية الدولية؛ باعتبار التجويع جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي.
- الضغط لفتح المعابر بشكل دائم وغير مشروط أمام الغذاء والدواء والإمدادات الإنسانية.
- تحرك المجتمع الدولي والإعلام العالمي لفضح الجريمة، ووقف الصمت الأخلاقي.
- إطلاق حملات دعم نفسي وتعليمي عاجل، خاصة للأطفال الذين يعانون من آثار المجاعة والحرب.
إن "هندسة التجويع" ليست مجرد سلوك عسكري عابر، بل هي عقيدة إبادة مؤسسية تحمل بصمات مجرمين، سيسجلهم التاريخ كما سجل من سبقهم. لكن الأهم أنها تفشل دائما في تحقيق أهدافها الجذرية، إذ ما تلبث أن تنجب ثقافة مقاومة جديدة، ومجتمعات أكثر وعيا وتمسكا بهويتها.
في غزة، كما في لينينغراد، كما في مضايا، المجاعة تصنع الكارثة.. لكنها أيضا تخرج أقسى نماذج الصمود البشري، وتراكم سردية لا تموت، تحفظها الذاكرة، وتلاحق الجناة إلى الأبد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

