كيف تُغذّي أزمة الكهرباء الاقتصاد المنهك في سوريا؟

البنية التحتية للشبكة الكهربائية في سوريا تعاني من مشاكل (الجزيرة) (1)
الكاتب: لم يعد انقطاع الكهرباء -في سوريا- مجرد عارض تقني، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تؤدي إلى تضخم متسلسل (الجزيرة)

في ظل التحولات الجيوسياسية وأزمات الطاقة العالمية، لم يعد التضخم ظاهرة داخلية تخص الدول النامية فحسب، بل أصبح مرآة لهشاشة الروابط الاقتصادية في عالم متشابك.

وفي سوريا، حيث تتداخل الصدمات الداخلية مع الضغوط الخارجية، تمثل أزمة الكهرباء نقطة انطلاق لفهم ديناميات التضخم ضمن سياق استثنائي.

تعتمد سوريا على الطاقة الحرارية المكلفة، حيث تبلغ كلفة الكيلوواط/ساعة نحو 12 سنتا بالدولار، بينما لا تتجاوز القدرة الإنتاجية 1300 ميغاواط من أصل حاجة تقدر بـ6500 ميغاواط

الكهرباء: من خدمة غائبة إلى محفز تضخمي

لم يعد انقطاع الكهرباء مجرد عارض تقني، بل تحول إلى أزمة بنيوية تؤدي إلى تضخم متسلسل. إذ يضطر المواطنون إلى شراء المياه من صهاريج خاصة بسبب تعطل المضخات، ما يرفع كلفة الإنفاق ويعيد تعريف الفقر النقدي. أما المولدات الخاصة، فباتت رمزا للصمود، لكنها تشكل عبئا اقتصاديا في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع الإنتاج المحلي من المازوت والغاز.

تعتمد سوريا على الطاقة الحرارية المكلفة، حيث تبلغ كلفة الكيلوواط/ساعة نحو 12 سنتا بالدولار، بينما لا تتجاوز القدرة الإنتاجية 1300 ميغاواط من أصل حاجة تقدر بـ6500 ميغاواط. هذا العجز، الذي يتجاوز 80%، يطلق سلاسل تضخم تطال الخدمات والسلع والمستلزمات الإنتاجية.

التشوهات النقدية والمالية الداخلية

  • توسع العرض النقدي لتمويل العجز أدى إلى تآكل قيمة الليرة، فيما يعرف بالتضخم البنيوي.
  • ضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية أعاق السيطرة على الأسعار، لا سيما في بيئة ما بعد الأزمة.
  • فقدان الثقة بالعملة الوطنية دفع المواطنين إلى التحوط بالدولار والذهب، ما زاد من اضطراب سلوك السوق.

هذه المعطيات تتقاطع مع نظريتي "التضخم المدفوع بالتكاليف" و"التضخم السياسي"، حيث تسهم التدخلات الحكومية غير المدروسة في تفاقم عدم الاستقرار النقدي.

تظهر التجارب في لبنان وفنزويلا أن التضخم في ظل الأزمات السياسية يتحول إلى عنصر يعيد تشكيل الهياكل الاجتماعية.

العلاقات الاقتصادية الدولية كقوة ضاغطة

  • رفعت العقوبات المفروضة على سوريا كلفة استيراد المواد الأساسية، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع.
  • أدت تقلبات سعر الصرف إلى تضخم متسارع، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد المحلي على الحوالات والتهريب.
  • تراجع المساعدات الدولية أضعف القوة الشرائية، وزاد الضغط على القطاعات الحيوية.
إعلان

ونظرا لغياب البيانات الشفافة، لا تنطبق النماذج التحليلية الدولية على الحالة السورية، ما يستدعي تطوير مؤشرات محلية بديلة، أكثر واقعية وفاعلية.

من لبنان إلى فنزويلا: دروس مقارنة

تظهر التجارب في لبنان وفنزويلا أن التضخم في ظل الأزمات السياسية يتحول إلى عنصر يعيد تشكيل الهياكل الاجتماعية. ففي لبنان، على سبيل المثال، أدت سياسات تثبيت العملة دون إصلاحات بنيوية إلى انهيار شامل، ما يطرح سؤالا جوهريا: هل تمثل السياسات النقدية وحدها مخرجا؟

سوريا بحاجة إلى مقاربة أوسع تعيد تقييم أدوات التضخم في ضوء واقعها الجغرافي والسياسي.

هل تكفي هذه المشاريع لكسر الحلقة التضخمية؟ وهل ستنعكس فعليا على قدرة المواطنين في تلبية حاجاتهم الأساسية؟

وعود ما بعد التحرير في سوريا والاختبارات الواقعية

بدأت الحكومة السورية إطلاق مشاريع لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء، من بينها محطات غازية وشمسية بطاقة تصل إلى 5000 ميغاواط. وقد تم توقيع اتفاقيات دولية بقيمة 7 مليارات دولار مع شركات من قطر وتركيا والولايات المتحدة، إلى جانب اتفاق لتزويد سوريا بالغاز عبر الأردن. كما وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لدعم البنية التحتية الكهربائية.
لكن يبقى السؤال: هل تكفي هذه المشاريع لكسر الحلقة التضخمية؟ وهل ستنعكس فعليا على قدرة المواطنين في تلبية حاجاتهم الأساسية؟

توصيات تنفيذية

  • إنشاء وحدة مستقلة لضبط سعر الصرف خارج إطار المصرف المركزي، ترتبط مباشرة بالقطاع الإنتاجي.
  • تسعير الخدمات تدريجيا وفق سلة عملات لتخفيف التبعية للدولار.
  • دعم الطاقة البديلة في المناطق الريفية لتقليل كلفة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
  • إعادة صياغة العلاقة مع المؤسسات الدولية بناء على مؤشرات واقعية تعبر عن البيئة السورية الفعلية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان