يحكم سلوك أي مجتمع تجاه ذاته أو تجاه غيره من المجتمعات تصور وفلسفة تفسره، وتحدد معالمه، وكذلك يحكم سلوكنا تجاه العالم الطبيعي والبيئة -التي تحيط بنا ونستمد منها مقومات وجودنا- فلسفة تحدد رؤيتنا لها وطريقتنا في التعامل معها.
وفي العصر الحديث- منذ النهضة الأوروبية- حتى اليوم، تعتبر الحضارة الغربية بحكم أنها الحضارة الغالبة على سائر الحضارات، هي صاحبة الرؤية الأكثر وضوحا في السلوك البشري- بفعل العولمة- والأكثر تأثيرا في محيطنا الطبيعي.
وتعد الفلسفة المادية كرؤية عن الوجود والحياة والبشر وعلاقاتهم بالطبيعة وفيما بينهم، بمثابة المرجعية والبنية الفكرية للعديد من الفلسفات الغربية الحديثة.
كانت تلك العلاقة بين الإنسان وبيئته علاقة تكاملية تكافلية يعطي فيها ويأخذ، ويعتبر نفسه جزءا منها، صديقا لحيوانها ونباتها، ومنتميا إلى أرضها ومائها وسمائها، فيما يشير إليه علماء الأحياء والبيئة بحالة الإنسان "الإيكو"
الاتجاه المادي للفلسفة
رغم أن الفلسفة المادية تمتد في تاريخها القديم إلى الفلسفة الهندية قبل الميلاد، فإن حضورها الأبرز في السياق الغربي يرجع إلى فلاسفة اليونان القدماء، وعلى رأسهم ديمقريطس، وأبيقور، ولوكريتيوس، وتتلخص في أن الوجود كله في نظرهم يرجع إلى المادة، وأن ظواهر الحياة ترجع إلى تفاعلات المادة وحركتها، وأن الحياة خاضعة في ظواهرها للمادة وقوانينها وما تقرره فحسب.
ثم تراجعت المادية بعد ذلك قرونا عدة إلى أن صعدت إلى الواجهة مرة أخرى مع الثورة العلمية في أعقاب عصر النهضة، خاصة مع ظهور نظريات نيوتن عن الحركة ورؤيته الميكانيكية للكون والعالم.
وكان الحضور الأبرز للاتجاه المادي في الفلسفة الغربية مع مطلع القرن التاسع عشر إبان صعود داروين ونظريته عن النشوء والارتقاء في عالم الأحياء.
والمادية هنا تبرز كونها وصفا يفسر كل أنشطة الطبيعة والبشر بعوامل مادية تتسم بالصراع بين الأحياء في معركة البقاء، أو الصراع بين الطبقات الاجتماعية في عالم البشر، وكونها تفسيرا ماديا للتاريخ يحكمه تطور وسائل وأدوات الإنتاج. فكيف تنظر المادية إلى الإنسان والطبيعة؟
من "الإيكو" إلى "الإيجو"
لطالما كان الإنسان منذ العصور البدائية في تفاعل مع البيئة المحيطة به، خائفا من ظواهرها أحيانا، ومستكشفا ومتأملا أحيانا أخرى. ومع اكتسابه الخبرات، وتراكم وتناقل المعرفة بالعالم المحيط به تطورت تلك العلاقة من الخوف إلى الاستئناس ببيئته، فهو منها وهي منه، يستمد منها مقومات حياته، ويحترم قواها ويترفق بمواردها.
كانت تلك العلاقة بين الإنسان وبيئته علاقة تكاملية تكافلية يعطي فيها ويأخذ، ويعتبر نفسه جزءا منها، صديقا لحيوانها ونباتها، ومنتميا إلى أرضها ومائها وسمائها، فيما يشير إليه علماء الأحياء والبيئة بحالة الإنسان "الإيكو"؛ أي الإنسان الموجود في علاقة متكاملة مع باقي المكونات، ولا ينفصل عنها، حتى حين يطغى عليها مختارا أو مضطرا، تستطيع البيئة تجاوز ذلك الخلل، وتعويض ما نقص منها.
وقد برز إنسان "الإيكو" في الحضارات القديمة بعقله واتزانه في التعامل مع الطبيعة وثرواتها.
وتاريخ الحضارات المتعاقبة وتطورها يشهد بمظاهر عدة من احترام الطبيعة ورعايتها وحمايتها؛ حفظا للموارد من الهدر وإبقاء عليها للأجيال القادمة، وعلى رأس تلك الحضارات نرى الحضارة الإسلامية في وصاياها الكبرى ونظرتها تجاه سائر الأحياء ووصفها لهم بـ "أمم أمثالكم"، ووصاياها بحرمة الهدر، ولو كان المصدر لا ينفد ولا ينتهي من قبيل "لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ".
الحداثة المادية التي أتى بها الغرب تحمل روحا عدائية وتتسم بمركزية ذاتية تختزل التفوق والتطور البشري في الرجل الأبيض الذي من حقه أن يحكم ويسيطر
الإنسان "الإيجو"
بيد أن إنسان القرن التاسع عشر؛ صنع المحرك وفجر طاقة البخار وامتص وقود الأرض نفطا وفحما، وضرب بمعوله باطنها ليحفر مناجم لا حصر لها، وأسرف في استخدام معادنها ومواردها بصورة تفوق قدرة البيئة ونظمها على احتمال الخلل أو قدرتها على تعويضه في وقت قصير.
كانت الأرض في تلك الفترة أسيرة إمبراطوريات غربية كبرى تتقاسم ثرواتها وتتنافس على مواردها وتتسابق في استعمارها وتتجه بنموها الجشع نحو الإنتاج والاستهلاك المفرطين من أجل الربح، والتوسع بأي ثمن.
رأى إنسان ذلك العصر- ولا يزال- نفسه مالكا بلا حساب وصاحبا للكوكب بلا مسؤولية، فنظر إلى الطبيعة باعتباره في حالة صراع معها ولا بد له أن ينتصر ويفرض عليها سلطانه ويُخضعها، فكان إنسان "الإيجو" ذلك المتغطرس الذي رأى نفسه فوق البيئة وأحيائها، فمارس كل درجات الغلو والإفراط في الإنتاج والاستهلاك، حتى خرجت العلاقة البيئية الطبيعية -التي كانت متوازنة قديما- عن السيطرة، فكانت الصدمات التي هزت الأنظمة البيئية في الكوكب واحدا تلو الآخر، برا وبحرا وجوا، في السلم والحرب على السواء.
المادية الغربية وروح العنصرية
كانت تلك الحداثة المادية التي أتى بها الغرب تحمل روحا عدائية تجاه كل من سواهم من البشر أو الأحياء، وتتسم بمركزية ذاتية تختزل التفوق والتطور البشري في الرجل الأبيض الذي من حقه أن يحكم ويسيطر طالما أن مبرر القوة العلمية والتكنولوجية في صالحه، ومن هنا كانت النزعة الاستعلائية تجاه الآخر البشري والطبيعة على السواء، فعلى الجميع أن يخضع للرجل الأبيض، ويوفر له احتياجات تطوره، ويمد له سلطانه.
وهي رؤية شديدة العنصرية تجلت في صور خطيرة من التنافس والصراع الاستعماري، أخضع الغرب خلالها أغلب شعوب الأرض، وأباد الملايين من السكان الأصليين باعتبار أنه الأقوى والأجدر بالبقاء، وأوغل في استنزافه الطبيعة من أجل الحصول على مواردها ليتمكن من إغراق العالم في حالة استهلاكية مفرطة وغير مسبوقة جعلت الإنسان عبدا للسوق، وتحت رحمة الرأسمالية التي تحكمه.
وبتعبير سيرج لاتوش في كتابه "تغريب العالم": "إن الغرب لم يعد بقعة جغرافية ولا حتى لحظة تاريخية وإنما أصبح كالآلة التي تدور وتدوس الجميع بمن في ذلك صاحبها".
موارد البيئة تنضب وعدد هائل من الكائنات أصبح مهددا بالانقراض، والتربة إما دمرتها الحروب والمواد الخطرة المدفونة في عمقها أو المبيدات التي تشبعت بها بملايين الأطنان
غزو للطبيعة وإبادة للبشر
صنعت الفلسفة المادية من الغرب ماردا يرى العالم كله خاضعا لسطوته، يصفها عبدالوهاب المسيري بقوله : " فبدلا من أن يضع الإنسان الغربي الجنس البشري في مركز الكون وضع الجنس الأبيض في هذا المركز، ووضع بقية البشر مع الطبيعة في الهامش؛ وبدلا من أن يكون الهدف من الوجود في الكون هو تحقيق مصلحة الإنسان، أصبح الهدف هو تحقيق مصلحة الإنسان الأبيض".
وهو أمر جعل من الغرب قوة مهيمنة تسعى للسيطرة على سائر البشر والأحياء وتعمل على إخضاع الطبيعة للرجل الأبيض المتفوق بلا اعتبار قيمي أو أخلاقي، وبصورة عنصرية فجة يصفها المسيري: "انقسم البشر إلى بشر سوبر super men إمبرياليين يتحكمون في كل البشر والطبيعة وإلى submen أي دون البشر يذعنون لإرادة super men".
ويتجسد ذلك في تجاربهم الاستعمارية وإبادة السكان الأصليين، كما تجسدت حديثا في النازية إبان الحرب العالمية الثانية ودعاوى تفوّق العرق الآري ورغبة هتلر في إثبات تفوقهم وإخضاع من سواهم من الأعراق والأجناس والشعوب، مثلما تفعل الصهيونية اليوم من إبادة -باعتبار تفوق السامية- وحقهم في استئصال الإنسان الفلسطيني العربي بل وأرضه وأشجار زيتونه وبيئته التي أبادوها كما أبادوا البشر والحجر.
حصاد الغرور
ونتيجة تلك النظرة كان الحصاد مرا بتدهور كارثي للبيئة ندفع اليوم ثمنه، فموارد البيئة تنضب وعدد هائل من الكائنات أصبح مهددا بالانقراض، والتربة إما دمرتها الحروب والمواد الخطرة المدفونة في عمقها أو المبيدات التي تشبعت بها بملايين الأطنان، ولن نستطيع التخلص منها، حتى الهواء والماء لم يسلما من التلوث والمخاطر التي تهدد صحتنا جميعا بلا استثناء؛ أبيضنا وأسودنا وأحمرنا، فمن يدفع فاتورة تلك الكلفة الكارثية التي قاد غزوتها ذلك الأبيض المغرور؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

