الساعة الآن السادسة صباحا. بينما يستعد طفل للذهاب إلى مدرسته، يستعد طفل آخر في الطرف المقابل من العالم للخروج إلى عمله. شهم، في التاسعة من عمره، يجوب شوارع تلك المدينة البعيدة باحثا عن عبوات فارغة يبيعها ليساعد في إعالة أسرته. أما فاطمة، فتمضي يومها تبيع المحارم عند الإشارة، لأنها لا تملك طريقا آخر تسلكه.
وماذا لو تكلمنا عن سلمى، وأحمد، وعمر، وغيرهم؟ من يخبرهم أن مكانهم هو مقاعد الدراسة؟ أن ضحكاتهم يجب أن تملأ الحدائق، لا ورش العمل؟
وأن تلك الأيدي الصغيرة التي تغير لونها باكرا، خُلقت لترسم أحلامها، لا لتضيع بين هموم أكبر من تلك القلوب الصغيرة. عمالة الأطفال لم تعد مشهدا استثنائيا، بل صارت ظاهرة تتطلب وقفة جادة، لا ردة فعل آنية.
تُعد الزراعة القطاع الأكبر لعمل الأطفال، حيث يشكل الأطفال العاملون في هذا القطاع 61% من إجمالي الحالات، تليها الخدمات 27% مثل العمل المنزلي وبيع السلع في الأسواق، ثم الصناعة 13% بما في ذلك التعدين..
حوار في محطة القطار
عندما كنت في محطة القطار، رأيت طفلة صغيرة شقراء بعيون بنية اللون كان لها ذاك البريق الذي لم أعرف أن أحدد سببه: هل هو انعكاس أشعة الشمس أم إنه الإصرار على الصمود أمام هذه الحياة هو ما كان يُقرأ في عينيها.
هذه الطفلة التي كانت تبيع المحارم للمارة، عندما عرضت على امرأتين كانتا تقفان بجانبي شراء المحارم، رفضت الأولى فورا، ودار بينهما حوار أذكره تماما مفاده هذا السؤال، هل من الصائب أن نشتري من هذه الفتاة لإعانتها أم إننا بشرائنا منها نكون قد شجعنا على عمل الطفلة؟
عندها وقفت للحظة أفكر وأدركت أننا في الحقيقة بكلتا الحالتين نخطئ ونصيب. هذه الطفلة ليست حالة معزولة، بل جزءا من واقع يعيشه آلاف الأطفال في مدننا وقرانا، واقع يفرض علينا أن نتوقف وننظر بعمق إلى أن تغييره يعيد جزءا من إنسانيتنا التي فقدناها.
طفولة بالأرقام
في يومنا هذا حوالي 138 مليون طفل حول العالم يعملون في ظروف قاسية، بما في ذلك 54 مليون طفل في أعمال خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم، وفقا لتقرير مشترك صادر عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في يونيو/ حزيران 2025.
تُعد الزراعة القطاع الأكبر لعمل الأطفال، حيث يشكل الأطفال العاملون في هذا القطاع 61% من إجمالي الحالات، تليها الخدمات 27% مثل العمل المنزلي وبيع السلع في الأسواق، ثم الصناعة 13% بما في ذلك التعدين والتصنيع.
هي ثوان فقط بعد قراءة هذا الكلام نغضب فيها أو نستنكر أو في أكبر حالات ثوارننا نذرف الدموع لكن سرعان ما تنقضي هذه الثواني حتى نعود لنتابع حياتنا ونكمل طريقنا كأن شيئا لم يكن.
ربما هو قانون الحياة أن المصيبة التي لا نعيشها لا تأخذ منا سوى التعاطف، أو أننا كأشخاص عاديين لا نملك القوة لتغيير هذا الواقع.
دراسة في بنغلاديش، شملت آلاف الأطفال من 5 إلى 17 عاما، كشفت أن الأطفال العاملين في أعمال خطرة كانوا أكثر عرضة بنسبة تقارب 41% لصعوبات نفسية مثل القلق والاكتئاب والمشكلات الاجتماعية
الأثر النفسي: يتجاوز ما تراه الأعين
تتجاوز الأزمات ما نراه نحن، إذ نتسابق في التخمين كلما رأينا طفلا يعمل، لتبدأ تحليلاتنا تتعالى وكلّ منا يحاول أن يثبت أنه من أصاب في تشخيص حالة الطفل.
الرغبة في اللعب والذهاب إلى المدرسة، أو هو عدم شعور بالأمان وفقدان للثقة بالناس من حولهم، أو ربما القلق المستمر، والشعور بالذنب لأنهم لا يُعيلون أسرهم بما يكفي، والانغلاق الاجتماعي، كثيرة هي الحالات في الواقع وقد تجتمع كلها معا وغالبا ما يتجاوز الأثر النفسي كل ما تراه أعيننا ولا يلامسه خيالنا.
دراسة في بنغلاديش 2023 باستخدام بيانات مسح UNICEF، شملت آلاف الأطفال من 5 إلى 17 عاما، كشفت أن الأطفال العاملين في أعمال خطرة كانوا أكثر عرضة بنسبة تقارب 41% لصعوبات نفسية مثل القلق والاكتئاب والمشكلات الاجتماعية، كما كانت معدلات التسرب المدرسي لديهم أعلى بخمس مرات تقريبا مقارنة بمن لم يعملوا.
تتجه سهام حكمنا على المتسبب المباشر بعملهم متمثلا بالأهل، لعلنا لسنا مخطئين تماما، لكننا في المقابل نتجاهل أننا نتحمل جزءا كبيرا من واقع هؤلاء الأطفال
ما بين الفعل والاكتفاء بالتعاطف
توالت المقالات والدراسات التي تناولت مشاكل الأطفال وها هي هذه المدونة أيضا، سيقرؤها البعض ويتأثر، وربما يهرب البعض الآخر بمجرد قراءة عنوانها، يدفعه إلى ذلك الكم الكبير للمرات التي قرأ فيها عن الموضوع ذاته.
والحق يُقال، نعم تم تداول هذا الموضوع بكثرة، لكننا إلى الآن لم نغير واقع ملايين من الأطفال واكتفينا بالمشاهدة والقراءة.
تلخصت أدوارنا، رغم قصرها في محاولة تغيير القوانين أو توفير المدارس، في الوعي والرفض، ورفع الأصوات ضد استغلال الأطفال، ودعم الجمعيات التي تعنى بحقوق الطفل، وزرع قيم الحماية والعدالة في أطفالنا وأجيالنا القادمة.
نصادف في حياتنا اليومية مواقف كثيرة مع أطفال اضطرتهم ظروف مختلفة للعمل، وأجبرتهم على الخوض في أمور كان لها أن تكون أبعد بكثير عنهم لو أن القدر اختار لهم حياة طبيعية تشبه ما حظي به أقرانهم.
وغالبا وبمجرد رؤيتهم تتجه سهام حكمنا على المتسبب المباشر بعملهم متمثلا بالأهل، لعلنا لسنا مخطئين تماما، لكننا في المقابل نتجاهل أننا نتحمل جزءا كبيرا من واقع هؤلاء الأطفال، وأن كثيرا من تلك السهام، إن صوبناها بصدق، ستصيبنا كذلك.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
