ذات لقاء كان الجو صحوا ممزوجا بغبار الغربة في بقعة مضيئة يحيطها سواد فج.. تغدو فيها الأفئدة خماصا وتعود أكثر سغبا إلا من فتات يحسبه الخائف زوالا للوجل في حياة مليئة بالوحل، كان سؤالها: "ماذا أقول إن سألوني عنك؟ فأجابها: إن ساءلوك عني فقولي: كان يعشقني، بكل ما فيه من عنف وإصرار"!
عصرنا الحديث لا يبدو جديدا بحداثة المعنى، بل باحتقان المغزى في واقع الوصف من حيث إن إنسانه أصبح حرا، لكنه معزول في ذات الوقت؛ بخلاف العصور الوسطى التي كان الفرد فيها جزءا من الكل، فيما أضحى هذا الموسوم بالإنسان في عصر الحداثة عددا تحكمه صراعات هامشية، ووسيلة لتبييض النقد المتعفن، فكان الوسيلة وليس الغاية.
إن الحرية لم تعد تلك المساحة التي تعطي ضمانات فكرية، بل تجزأت إلى سلوكيات سلبية تحت إطار التحرر من قيود الذات إلى قيود التسلط
فعصرنا الموصوف بالمزدهر يعيش بين متناقضات متشابكة تدفع الفرد جبرا إلى الانغماس في حضيض الضياع وفق هندسة اجتماعية تتسلل أفعالها بشيء من الخلاف ثم تتدرج إلى سلوك مقبول، حتى تصل إلى عادات وتقاليد يجب الحفاظ عليها بحكم أنها متطلبات راهنة تحكم علاقة الفرد بالقطيع، وعلاقة القطيع بعنجهية وتسلط فرد، أو مجموعة تتحكم في سلطة القرار.
شكّل التغير في المسار المفاهيمي للحرية التباسا من حيث ممارسة السلوك المفضي إلى تشكل قيمة البعد الفردي في المجتمع، إذ إن الحرية لم تعد تلك المساحة التي تعطي ضمانات فكرية، بل تجزأت إلى سلوكيات سلبية تحت إطار التحرر من قيود الذات إلى قيود التسلط.
هل نعيش تحت إطار الحرية السلبية؟ سؤال يطل على خجل عندما نجد من يريد العيش في شكليات من الكتل الإسمنتية محكمة الغلق، مهلهلة الداخل، لا يمكن أن تكون ستارا عند حلول النوائب.
لم تمنح الحرية "السلبية" وفق أدبيات الفلسفة النفسية معتنقيها تحررا من القيود الجبرية بل حولت توجهاتهم إلى أفراد موالين لسلطة القوة التي أرادت إبقاءهم في حيز واحد من التبعية العمياء التي تشعرهم ببصيص من الانتماء لا يحيد قِيد أنملة عن فكرة "التعبيد" التي لازمت البشرية بأشكال متعددة.
عبء التفكير
هل نحن نفكّر؟ وهل هناك ما يدفعنا إلى إشعال فتيل الفكرة لفهم ذواتنا؟ أو بالأحرى أو كما قال ديكارت: "أنا أُفكر إذًا أنا موجود"، وهل وجودنا مرهون بنوعية التفكير؟
إن الدلائل المفضية إلى تحقيق الذات والشعور بالوجود، هو التفكير المليء بالأسئلة المتعمقة في حيثيات ما يحيط بنا، والذي يمنحنا التموضع الواضح للمشاركة المجتمعية بفاعلية دون الانسياق خلف الأفكار المعلبة المصدرة لنا في ثوب الحرية المطلقة؛ بهدف إقصائنا عن الحقيقة.
لذا فإن التحرر من التبعية التي شكلتها هيمنة القوة وخذلان الذوات تحوّل إلى عبء ثقيل؛ لأنه لم يرنُ إلى تحقيق الذات وفق مأسسة الحرية الإيجابية، لذلك كان العنوان العريض الذي أطاح بفكرة الانعتاق أو الذهاب بعيدا عن نكران التبعية هو الشعور بالاغتراب الذي جعل الأفراد يهرعون إلى التسلط والخضوع لتحكم الآخرين، بما يحقق الامتثالية الآلية؛ بهدف إذابة ما تبقى من جسد داخل المجتمع من حيث الشكل فقط.
غزة تعيش حالات الجوع المسيسة في بقعة تفيض بالكرامة ودروس الحرية الواعية، وهي وعي ناضج تجاوز الغريزة بذوات متماسكة لا تقبل العار، وهي رمز جمعي يعيش على الفكرة التي لا تموت بانتهاء الفرد
فالتحول هنا يدور حول صراع الوعي مع الصمت الكوني، وهذا ليس مرده بقيمة الفهم من عدمه، وإنما هناك من لا يبالي إن فهمنا أو لم نفهم، بل تلك هي النتيجة التي تقودنا إلى التحلل القيمي ثم إلى فقدان الغاية، للوصول إلى الاستسلام خارج فضاء التمرد على العبث بوجدانية الفرد.
على هوس اللقاء في أفق الحوار كانت تلحّ في طرح الأسئلة التي تجرنا إلى بؤرة تكوّن وعي الجوع الذي يقابله شبق الخوف، فكيف لها أن تعزل نفسها؟ وكيف تقاوم لتبنّي الفكرة؟
فهي بحد ذاتها الأسئلة التي لا تنتهي وهي الأجوبة على إنسان هرب من الحرية بالتجني على نفسه، لأنه كذب على نفسه متجنبا تحمل المسؤولية، وربما يكون ذلك توترا أزليا؛ "وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا".
هنا تباغته بسؤال يحمل ألغاما تنهش في شبق خوفه؛ وهل بلوغ الجوع بطولة في عالم تكثر فيه نفاياته؟ فأجابها: لا تكترثي، فكم من بطن شبع جرته الغريزة الشبقة إلى الهروب، وكم من وعي جائع علمنا صمود المقاومة، لكنني: "وإن مضيت.. فقولي لم يكن بطلا، لكنه لم يقبل جبهة العار"!
غزة حصار الجوع ووعي الكرامة
في بقعة آمنة تهوي إليها الأفئدة؛ شيخ يعتلي المنبر يحمد ويثني ويتعثر، فيبعثر الكلمات من ورقة تحملها يده المرتجفة من الخوف والمشبعة برائحة ما تبقى من سقط مائدة كانت عيدا لأولهم وآخرهم؛ فيقول: أيها الجمع إن الجوع صحة للجسد يساعدنا في حمية بدنية تذيب شحومنا وتعلمنا الصبر، فجوعوا إن لم تجدوا ما تسدون به رمقكم، واضربوا بالخمس إذا امتدت الموائد دون همس، ولا تنسوا اللمس ولعق الأصابع فإنها من السنن الخمس".
فعلى الرغم من حالة الشبع القصوى ماديا فإن الخوف الغريزي ينفي الوعي، والشبق المادي ينهي الكرامة البشرية، فتحوّل فيها الشيخ وأقرانه إلى آلة تدار بسيادة القلق تدفع إلى التماثل والتوافق النظري، فهي التبعية العمياء والذوبان في منظور الأنظمة التي تفكر وفق خوارزمياتها بالنيابة عنهم.
إن صمود الإنسان في غزة نابع من عمق الوعي والإحساس بمعنى الحرية الإيجابية، فهم ينتهجون حرية ما يريدون وليس ما يملى عليهم، لذا قادهم ذلك إلى دفع ثمن باهظ وهو جوع الجسد
تلك هي الذات المفككة التي تبحث عن أمان زائف لا يتداعى مع الجسد الواحد، بل يبرهن ويطوع الذل بالاتكاء على القائد المنقذ، مما جعل تلك الفئة تتمرغ في وفرة المعروض ماديا، لكنها قيميًّا ميتة، ووجوديا مستعبدة بالجبن والخوف.
أما غزة؛ فهي حالات الجوع المسيسة في بقعة تفيض بالكرامة ودروس الحرية الواعية، وهي وعي ناضج تجاوز الغريزة بذوات متماسكة لا تقبل العار، وهي رمز جمعي يعيش على الفكرة التي لا تموت بانتهاء الفرد، بل باقية ببقاء الفكر المقاوم والوعي الموجه والداعم للبقاء متحملة مسؤوليتها الحقيقية.
إن حصار الجوع الذي اشتركت فيه جميع الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية حتى الأنظمة البائدة أو تلك المسماة اللاأنظمة يصور لنا الضعف الحقيقي الموجه إلى إسكات الصوت الجمعي، باعتبار غزة كاشفة للزيف والنفاق السياسي، فاضحة لرخاوة الأنظمة العربية، مغربلة للقوى الدينية وممتحنة صدق دعواها.
إن صمود الإنسان في غزة نابع من عمق الوعي والإحساس بمعنى الحرية الإيجابية، فهم ينتهجون حرية ما يريدون وليس ما يملى عليهم، لذا قادهم ذلك إلى دفع ثمن باهظ وهو جوع الجسد، الذي يمارس الجهاد بكل تجلياته، ممثلا للحق الذي يعلو في وجه العالم المستبد الجائر.
ذلك الحصار المتجدد تجاوز أن يكون قرارا تتلاعب به القوى المهزومة، ليصبح بنية فكرية ومؤسسة دولية ومؤامرة متعمدة تستهدف طمس الشعوب التي تنتهج الوعي والكرامة على حساب استقرار زائف، من أجل تفريغ العالم من قيمه.
فها هي تتأهب للرحيل وقد حز قيد الجوع في معصمها متكئة على منسأة الكرامة وتقول: سقط زيف الأقنعة وتهاوت شعارات التشدق بحقوق الإنسان، وكرامتنا لا تموت بل تشتد باشتداد الجوع فتتحول إلى جذوة لا تخبو.
وقبل أن تتوارى تطلق العنان لأسئلة حرة: هل قميص غزة قُدّ من دبر أم من قُبل؟ وهل تجدون ريح النصر؟ وهل غيابة الجوع سيطول قعرها؟ أما أنا وأينما حللت فلا أرجع سهام قلمي. قال غازي القصيبي:
"وإن ساءَلوك فقولي: لم أبع قلمي ولم أدنس بسوق الزيف أفكاري"،
فأنا جائع إذًا أنا حرٌ.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

