جوعٌ لا يشبه الجوع
في غزة، لا يقاس الجوع بالسعرات الحرارية، بل بالبكاء الصامت، وبالملاعق الفارغة، وبالرضع الذين ينامون على بطون خاوية. في رفح وغزة والشمال، آلاف الأمهات يحاولن خداع أطفالهن بنار تغلي بلا طعام، أو قطعة عجين مرّ عليها يومان.
هذا ليس جوعا ناتجا عن فقر، بل مجاعة ناتجة عن حصار طويل وضربات متواصلة وإغلاق كامل لكل شرايين الحياة. منذ أشهر، لم تدخل غزة كميات كافية من الغذاء، والنتيجة؛ مشهد إنساني كارثي يعصف بالفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم النساء والأطفال.
تقول إحدى الأمهات: "لم أتناول سوى نصف رغيف خلال يومين. أعطيته لأطفالي. أنا لم أعد أشعر بالجوع، بل بالخوف من أن أفقدهم"
مجاعة تحت القصف: الواقع بالأرقام
وفقا لتقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة "اليونيسيف"، فإن أكثر من نصف سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تصاعد أعداد الأطفال المصابين بسوء تغذية حاد مهدد للحياة.
تشير بيانات صادرة عن منظمة "أوكسفام" إلى أن "الغذاء- حين يتوفر- لم يعد في متناول معظم العائلات؛ بسبب تدمير الأسواق، وندرة المواد، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني".
المشافي باتت عاجزة عن استقبال مزيد من الحالات، وعيادات التغذية للأطفال توقفت عن العمل، إما لقصف مباشر، أو بسبب نفاد الإمدادات.
النساء: حارسات الحياة في خيمة الموت
في مشهد يومي تكرره غزة، تقف أمّ أمام خيمتها، تحتضن رضيعا، وقد جفّ من صدرها الحليب، وتحاول تهدئته بالغناء، أو بماء ملوّث إن توفر. تقول إحدى الأمهات في مركز إيواء وسط القطاع:
"لم أتناول سوى نصف رغيف خلال يومين. أعطيته لأطفالي. أنا لم أعد أشعر بالجوع، بل بالخوف من أن أفقدهم".
الأمهات في غزة لا يشتكين فقط من قلة الطعام، بل من انعدام أدوات الطهي، وانقطاع الماء، وغياب الأمان النفسي. فالمجاعة هنا تترافق مع قصف دائم، ونزوح قاسٍ، وفقدان أعزاء.
نازحة من غزة إلى خان يونس: "في كل صباح أفتش عن علبة حليب في سوق الإغاثة.. إن وجدت، أستدين ثمنها. إن لم أجد، أرضع ابني ماء مغليا"
أطفال غزة: جيل يتقوّت على العدم
في أزقة خان يونس والشاطئ، يجلس الأطفال تحت الشمس، وقد فقدوا القدرة على اللعب، أو الضحك، أو حتى التعبير. يقول طبيب في مستشفى الشفاء- طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية- إن "حالات ضمور العضلات، وتساقط الشعر، وانتفاخ البطن بسبب الجوع أصبحت مشاهد روتينية".
ما يسمى طبيا بـ"سوء التغذية الحاد الوخيم" بات التوصيف الأكثر دقة لحال آلاف الأطفال. لا حليب، لا مكملات، لا فواكه. بعضهم لا يتناول شيئا ليوم كامل. آخرون يعيشون على قطع خبز يابسة أو علبة فاصولياء مشتركة بين عشرة أفراد.
قصص من الداخل: صرخة في وجه الصمت
أم محمد (35 عاما)، نازحة من غزة إلى خان يونس، تقول:
"في كل صباح أفتش عن علبة حليب في سوق الإغاثة.. إن وجدت، أستدين ثمنها. إن لم أجد، أرضع ابني ماء مغليا".
رنا (16 عاما)، فقدت أمها في القصف، وأصبحت مسؤولة عن شقيقين:
"لا نملك طعاما. نحاول النوم مبكرا كي لا نشعر بالجوع. نتبادل كسرات الخبز فيما بيننا".
هذه ليست شهادات فردية، بل جزءا من صورة أكبر لواقع جماعي يعاني بصمت في زمن الضجيج الإعلامي.
المجاعة كسلاح حرب: مسؤولية دولية
المجاعة في غزة ليست عرضا جانبيا للنزاع، بل نتيجة مباشرة لسياسة الحصار والإغلاق وتدمير البنية التحتية. منع دخول الشاحنات الغذائية، وقصف المخابز والمزارع، وحرمان الناس من الوقود، كلها ممارسات ترقى- بحسب منظمات حقوقية- إلى جرائم حرب.
ومع ذلك، يستمر العالم في التعبير عن "القلق" و"الدعوات لوقف التصعيد"، دون أي خطوات عملية لوقف الكارثة.
إن استمرار هذه المجاعة هو عارٌ على المنظومة الإنسانية بأسرها. وإن لم يتحرّك العالم اليوم، فسيسجّل التاريخ أن مجاعة وقعت على مرأى من الجميع، وأن الإنسانية فشلت في إنقاذ أمّ ترضع طفلها ماء
الضمير العالمي.. متى يتحرك؟
رغم مئات النداءات، لا تزال المنظمات الإنسانية عاجزة عن إيصال الغذاء الكافي، في ظل عراقيل ميدانية، وتعطيل للممرات، وتراخٍ دولي. هل ينتظر العالم أن يرى الأطفال يموتون أمام الكاميرات كي يتحرك؟
في عالم تملؤه المؤتمرات الإنسانية، يموت أطفال غزة جوعا.
في زمن الحقوق الرقمية، لا تملك أمهات غزة حق إطعام أبنائهن.
لسنا أرقاما
نساء غزة لا يردن الشفقة، بل الكرامة. أطفال غزة لا يطلبون تبرعات، بل حقّهم في الحياة.
إن استمرار هذه المجاعة- في القرن الحادي والعشرين- هو عارٌ على المنظومة الإنسانية بأسرها. وإن لم يتحرّك العالم اليوم، فسيسجّل التاريخ أن مجاعة وقعت على مرأى من الجميع، وأن الإنسانية- بكل قوتها وتقدّمها- فشلت في إنقاذ أمّ ترضع طفلها ماء، وطفل يتوسد كيس دقيق فارغا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

