جغرافيا الجوع ووطن لا يموت

الكثير من العائلات في غزة فُجعت باستشهاد أطفالها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية إما بفعل الغارات أو سياسة التجويع (خاص الجزيرة نت)
الكثير من العائلات في غزة فُجعت باستشهاد أطفالها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية إما بفعل الغارات أو سياسة التجويع (الجزيرة)

في مجاعة غزة، تتكلم الأرض

في غزة، لا يجوع الناس، بل تتآكل أرواحهم كأوراق الخريف اليابسة، يمضغون الهواء كي لا ينسوا طعم الحياة، يشربون الغبار من أعين أطفالهم، ويكتبون وصاياهم على أرغفة لم تخبز بعد.

في غزة، لا تقصف المنازل فقط، بل يقصف الشعور بالانتماء إلى هذا الكوكب، يتراءى ذلك في ملامح أمّ تبحث عن بقية لبن لطفل ينام على بطن فارغ

في غزة، لا يموت الجسد وحده، تموت معه القصائد قبل أن تولد، ويشنق الحلم على أبواب الأفران المغلقة، تتهشم الطفولة في قدور لا تغلي، وتدفن الكرامة تحت أقدام صمت دولي أعمى، صمت لو نسج منه ثوب، لكان كفنا بحجم الأرض.

في غزة، لا تقصف المنازل فقط، بل يقصف الشعور بالانتماء إلى هذا الكوكب، يتراءى ذلك في ملامح أمّ تبحث عن بقية لبن لطفل ينام على بطن فارغ… كقلب العالم.

ما عادت الحرب طائرات ودخانا، بل قمحا يحتكر، وسكوتا يباع في أسواق الأمم، ودموعا تهرَّب في حقائب الإعلام… غزة ليست مجرد جغرافيا محاصرة، بل امتحانا أخلاقيا للعالم، مرآة تكشف من نحن، ومدى ما تبقى من إنسان في الإنسان.

رغم كل هذا الجوع. يا من تسمعون من وراء شاشاتكم، يا من لا تصلكم رائحة الخبز المحترق في أفران الوهم، لا تشيّعوا غزة بكلمات الرثاء، بل أحيوها بالفعل، بالصوت، بالصرخة، بالغضب الذي يشبه العدل

هل رأيت وجها يشبه العدم؟ طفلا يتقيأ الفراغ؟ أبا يقسم أن لا شيء في البيت.. ثم يبكي، لأنّه يعلم أن الجوع قد يقتل الإيمان أيضا.

ومع ذلك، غزة، تلك العظيمة، لم تنحنِ، لم تفلس من الكرامة، ولم تفرّط بالحبّ… رغم كلّ هذا الجوع. يا من تسمعون من وراء شاشاتكم، يا من لا تصلكم رائحة الخبز المحترق في أفران الوهم، لا تشيّعوا غزة بكلمات الرثاء، بل أحيوها بالفعل، بالصوت، بالصرخة، بالغضب الذي يشبه العدل.

ولأنني أؤمن بأن الجوع لا يقهر شعبا يملك ذاكرة الحقول، ولا يكسر قلبا ما زال يحفظ شكل القمر حين يكتمل فوق البحر، أقول: ستنبت في غزة سنابل من دموع الأمهات، وسيعجن الفقراء خبزا من أمل لا يصادر، وستنمو القصائد من تحت الركام، تعلن أن الجوع عار… لكننا لسنا الجياع وحدنا، نحن ورثة الحق، وبناة الغد.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان