بعد ما يقارب عامين من حرب الإبادة الضروس على غزة، وما رافقها من حصار خانق ومحكم.. حرب شاركت فيها مخابرات دولية، واستُخدم فيها أحدث ما أنتجته مصانع الأسلحة في العالم، ومُورست فيها كل المحرمات الدولية في الحروب، ودُمرت فيها مرافق الحياة، وقُطعت شرايينها، وتعرض القطاع فيها إلى تجويع وترويع وتدمير وقتل للأطفال، هز ضمائر العالم وحرك الشارع الغربي، بل إن كثيرين من مؤيدي الاحتلال، خصوصا من حركة "ماغا" التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، هاجموا الاحتلال وأفعاله بشدة وحدة.
ومع تعالي الأصوات -الإسرائيلية وغيرها- والتي تتحدث عن تراجع في قدرات المقاومة، جاء كمين حي الزيتون، الذي وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بأنه الأكبر والأخطر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليقلب الطاولة، ويعيد -وبعمق- تشكيل المشهد فلسطينيا وإسرائيليا وإقليميا وأميركيا، بل وعالميا.
ما حدث سينعكس أيضا بشكل سلبي على ترامب وإدارته، التي أعطت الضوء الأخضر والحماية والرعاية لنتنياهو للاستمرار في حرب الإبادة على غزة، وبأساليب أكثر وحشية، ولتجويع وحرمان الغزيين من الحياة
ولعله في حال وقوع جنود إسرائيليين في الأسر، فإن التبعات ستكون أكثر عمقا والعواقب أشد أثرا. فقدرة المقاومة على تنفيذ مثل هذا الكمين وبهذا الزخم والمدة الزمنية وبعد عامين، يُعتبر بمثابة المعجزة، وهو حدث سيصيب معنويات الجندي الإسرائيلي المنهارة ابتداء بمزيد من الانهيار.
بل لا أستبعد في حال تعامل نتنياهو- كعادته- بفوقية مع الحدث خصوصا، أن تتنامى حركة العصيان ورفض التجنيد في صفوف العسكريين الإسرائيليين.
ما حدث في حي الزيتون سيعمق الانقسامات بين القيادة العسكرية والسياسية في إسرائيل، وسيزداد تراشق الاتهامات وتحميل المسؤولية بين الطرفين، كما ستنعكس الحالة على وحدة المجتمع الإسرائيلي، خصوصا ما بين العلمانيين والمتطرفين.
المتدينون الذين يرفضون التجنيد العسكري هم أكثر من يدفع باتجاه استمرار الحرب في غزة، فيما يريد العلمانيون والآخرون وجنود الاحتياط أن تتوقف الحرب، التي أصبحت مستنقع استنزاف مادي ومعنوي وأخلاقي لجنود الاحتلال. كما سيمد حدث حي الزيتون عائلات الأسرى واحتجاجاتهم بزخم كبير، وهم يرون إخفاقات خيارات نتنياهو، وتهديدها حياة ومصير أبنائهم.
ما حدث سينعكس أيضا بشكل سلبي على ترامب وإدارته، التي أعطت الضوء الأخضر والحماية والرعاية لنتنياهو للاستمرار في حرب الإبادة على غزة، وبأساليب أكثر وحشية، ولتجويع وحرمان الغزيين من مقومات الحياة، على أمل احتلال كامل غزة وإفناء مقاومتها وتهجير أهلها.
فأي جائزة نوبل للسلام، تلك التي يمنّي بها ترامب نفسه؟! لا بل أي مكانة يريدها لنفسه في التاريخ وقد أخفق مع الروس، وها هو يقع على رأسه مع الإسرائيليين؟!
كما أن ما يحدث في غزة سيؤثر على الشارع العربي، الذي يزداد تعاطفا مع معاناة أهل غزة واستهجانا لسلبية النظام العربي الرسمي
يتجاهل نتنياهو الاحتجاجات العالمية على ما يحدث في غزة، الشعبية منها والرسمية، والتي وصلت لدول غربية مثل ألمانيا وغيرها، واتخذت إجراءات عملية، وهي التي كانت تعتبر علاقاتها بدولة الاحتلال بمثابة خط أحمر.
يتجاهل نتنياهو كل ذلك مراهنا على الانتصار الحاسم؛ فالعالم يحترم القوي، وبتقديره أنه بعد نصره الموهوم سيتسامح العالم معه ليَلوما سويا الضحية.
في هذا السياق، يمكن أن نقول إن قدرات المقاومة الكبيرة، وعملياتها النوعية، ستمد الحركات العالمية المناصرة لغزة والمتعاطفة مع محنتها بذخيرة وزخم كبيرين؛ فنحن أمام مقاومة أسطورية، تدافع بإمكاناتها المحدودة عن شعبها المستهدف بحقد لا مثيل له- ربما- في التاريخ الإنساني، وأمام قوة كبيرة وإمكانات خيالية، فتوقع بها الهزيمة والإذلال والمهانة.
سيزداد رصيد المقاومة الشعبي وخياراتها في المقاومة، خصوصا أن الحدث تزامن مع إعلان إدارة ترامب إلغاء تأشيرات محمود عباس وعشرات المسؤولين الفلسطينيين إلى الولايات المتحدة الأميركية، رغم تعاونهم الكبير مع واشنطن وتل أبيب في محاصرة المقاومة سياسيا، ولومها، واتهامها بما يُسعد إسرائيل سماعه من اتهامات.
كما أن ما يحدث في غزة سيؤثر على الشارع العربي، الذي يزداد تعاطفا مع معاناة أهل غزة واستهجانا لسلبية النظام العربي الرسمي، لا بل وتواطؤ جزء منه مع الاحتلال.
وإذا أضفنا عامل الإعجاب والانبهار الكبير ببطولة المقاومة الأسطورية، فهي أمور قد تكسر حاجز الخوف لدى المواطن العربي، وتُشعل شرارات غضب قد تتحول لربيع عربي جديد.
في إسرائيل وفي الشارع الفلسطيني، وكذلك على المستويين العربي والدولي، ازدادت القناعة وتعمقت بأن المقاومة الفلسطينية عصية على الهزيمة
ملحمة حي الزيتون أضافت مصداقية كبيرة للمقاومة الفلسطينية في طرحها ووعودها ووعيدها، مما يكسبها مزيدا من احترام الوسطاء، خصوصا مع قبولها الأخير غير المشروط مقترحهم بوقف الحرب، وسيدعم موقفها السياسي في المفاوضات، ويُضعف من حجج ومصداقية نتنياهو وحكومته المتطرفة.
ازدادت وتعمقت قناعة في إسرائيل والشارع الفلسطيني والعالمين العربي والإسلامي وكذلك الدولي، بأن المقاومة الفلسطينية عصية على الهزيمة. وبتقديري، أن مسارعة دول أوروبية للاعتراف بفلسطين ليست بسبب الإحساس بالذنب أو التعاطف الصادق مع معاناة غزة، بل الخوف من انتشار ثقافة المقاومة والتضحية بين الفلسطينيين، وانتقالها إلى العالمين العربي والإسلامي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

