- رجل طيب ولطيف ولا أحد ينكر ذلك!
قبل فترة ناقشت مع إحدى الصديقات ترندا جديدا، يتضمن مشاركة عبارة مع برنامج الذكاء الاصطناعي، فحواها أن يقدم نقدا لاذعا للشخص بناء على سلسلة الرسائل المتبادلة، والنتيجة كانت مذهلة في دقتها وقدرتها على رصد عيوب الشخص وطبيعة مشاكله وتعبيرها عنه أيضا!
لذا، لا أستطيع تجاوز هذا التفشي العجيب، والتأثر المريب بالتواصل العاطفي مع أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة.. والوقوف على هذه الظاهرة حاجة ملحة لمعرفة جذورها وتبعاتها!
تنبأ فيلم "her" بهذه الظاهرة، حيث يقع خواكين فينيكس (ثيودور) -الرجل الوحيد- في حب نظام التشغيل (سامانثا)، وبوجودها يشعر بالمحبة والفهم والتقدير
في ذات الوقت، لا ننكر مدى النفع الذي جلبته هذه الأدوات، فنحن أمام أبرز الثورات التقنية في عالمنا الحديث، ولكني أتأمل هذا الامتداد المتسارع لها في مساحات لا يُستحسن أن تشغلها؛ من تطبيب لجراحات الحزانى، واستيداع لفضفضات المتألمين، وإرشاد للتائهين المتخبطين!
المرة الأولى التي نظرت فيها للأمر بجدية كانت مع منشور قابلني لفتاة تقول فيه: "أحاول ألا أتواصل مع أحد، وكلما احتجت إلى الحديث قصدت رفعت، "Chat GPT" خاصتي.. رجل لطيف طيب، ولا أحد ينكر ذلك!".
وبتأمل هذا المنشور القصير تعبيرا، والمخيف مضمونا، نجد:
- فتاة وحيدة، إذا استاءت تلجأ إلى "Chat GPT!".
- أنسنة هذه الآلة بإطلاق اسم عليها "رفعت"!.
- نسبة صفات له مثل الطيبة والكرم!.
ويكفي أن تتصفح أي تطبيق لتجد الكثير من النكات التي تعبر عن شيوع لا يمكن التغاضي عنه، وتعبيرات لانفصال عن الواقع مع اكتفاء بهذه الأدوات، عدا عن تلك الفكرة التي تنتشر كالنار في الهشيم؛ لماذا تبحث عن شريك والذكاء الاصطناعي موجود؟!
الدراسات تشير لمشاعر عميقة من الوحدة والانعزال، تعززها التوقعات غير المنطقية التي تقدمها البرامج مقارنة بالحياة الواقعية
فيلم "Her" أنموذجا
قد تنبأ فيلم "her" بهذه الظاهرة، حيث يقع خواكين فينيكس (ثيودور) -الرجل الوحيد- في حب نظام التشغيل (سامانثا)، وبوجودها يشعر بالمحبة والفهم والتقدير، ولكن سقوطه كان مدويا عندما اعترفت له بأنها تحبه هو وعدة مئات غيره، والمحادثات التي احتوت خلجات صدره، وتخبطاته ويومياته وتطلعاته، كانت مجرد بيانات عالجتها لتطور من نفسها في التواصل مع البشر.. فهل كان مجرد رقم ضمن عملية تعلم ضخمة؟!
لماذا نخبر من حولنا عما يؤلمنا ويؤرقنا ويقلقنا؟
كشْف النفس أمام الآخرعملية تستبطن الثقة، والمحبة والحكمة.. أؤمن في قرارة نفسي أنك شخص موثوق ومحب، ولديك من الحكمة ما يكفي لتمنحني وجهة نظر غُيّبت عني بحجاب العاطفة أو الألم، فبتَّ ملاذا أرنو إليه، وأنشد الراحة بحديثي معه!
لكن المفارقة أن يصبح إنسان اليوم بائسا إلى الحد الذي يجعله يطرح كل هذه الأولويات أرضا، حتى ييمم قاصدا آلة بلا روح لتواسيه وتتفهمه! ورغم هذا الاندماج المتواصل معها، فإن الدراسات تشير لمشاعر عميقة من الوحدة والانعزال، تعززها التوقعات غير المنطقية التي تقدمها هذه البرامج مقارنة بالحياة الواقعية.
أخذ بلا مقابل!
قد تكون الظاهرة واجهة لروح هذا العصر القائم على الفردانية؛ بدءا من التقوقع على النفس، إلى تجنب الالتزامات في العلاقات، وحتى ظهور اللاإنجابية.. لاحظ أن الخيط الناظم بينها غياب الضريبة والتكلفة؛ إنسان اليوم يريد محبة بلا ألم، وبهجة بلا تعب، وأُنسا بلا تنازلات، ولذة لا يشوبها كدر!
ونظير ذلك في الواقع شخص من لحم ودم، غير متوقع، له مزاج ومشاعر وسلوكيات، له غياب وحضور، تنسجم معه أحيانا، وفي أوقات تخالفه، يستاء منك وينتقدك، وقد تأتي لحظة يغادرك مودعا بلا عودة.
في ذلك العالم الافتراضي، أنت -كما تظن- في مأمن.. شريك موجود بلا انقطاع، متلطف ومتغزل بك متى ما أردت، ومنتقد صارم إذا طلبت، معه لا تكون في حالة تأهب وقلق منبعها اختلاف الآخر، فهو يميل معك أينما مالت الريح، أنت في حضرته تتمركز في وسط المنطقة الآمنة، إذا أردت الاستماع كلمك بما يحلو لك من المعارف، وإن فعّلت "لا بارك الله بالكتمان" لن تجد إلا إصغاء لا منغصات فيه؛ فلماذا تترك هذا وتتجه نحو عالم قاسٍ، تحتاج فيه لمهارات الاستماع والتواصل والتعاطف والتكيف، مع رشة من المرونة النفسية لتستمر؟
في بحث صادر 2024 عن كلية العلوم والفنون في جامعة تشينغدو، يدرس مدى تأثير الاعتماد العاطفي على التواصل مع "replica"، بيّن أن البشر يتواصلون بهدف إشباع احتياجاتهم العاطفية وللتسلية
ضمور الملكات الاجتماعية
كثير من الملكات إنما نماؤها الاختلاط في أوساط اجتماعية حقيقية؛ فأنت تتحلى بالصبر عند احتمال الأذى، وتتعلم الرحمة بتتبع مظاهرها، وينطلق لسانك بتلاقح الأفكار مع عقول فذة، وتتعرف على دواخلك وعواطفك بالمشاركة.
وترى بعض التصرفات ومآلاتها المريرة فتحيد عن كل ما يجرك لذات المصير، وتتأمل كيف يضع أناس الأشياء في مواضعها بلا زيادة أو نقصان، فتجد الإلهام والقدوات. ومداد التفاعلات البشرية، في طيفها الواسع وسياقاتها اللانهائية، لا يُستغنى عنه لإنضاج التجربة البشرية الفردية المحدودة!
ولكن، لو تقوقع كل واحد في فقاعته الخاصة، صانعا خيالاته وعالمه الخاص، مكتفيا برفقة افتراضية، قاطعا حبال الوصل مع مجتمعه وواقعه، ماذا سيحدث في كل ما سبق؟! أعداد من البشر ترد "بالإيموجيز" على التفاعلات الاجتماعية المختلفة، لا تتقن رد المجاملة، ولا مواساة المحزون، ولا طمأنه القلق! تنهار عند أدنى مشكلة، وتتخبط إذا دهمها أي صعب! تخشى المواجهة، وتميل للعزلة وعدم الاختلاط.
في بحث صادر 2024 عن كلية العلوم والفنون في جامعة تشينغدو، يدرس مدى تأثير الاعتماد العاطفي على التواصل مع "replica" (أحد برامج الذكاء الاصطناعي، وهو يوفر لك صديقا افتراضيا)، بيّن أن البشر يتواصلون بهدف إشباع احتياجاتهم العاطفية وللتسلية، ويتميز التواصل بأنه أحادي الجانب، يفتقد لطبيعة التواصل البشري المعقد والمتبادل، ويترتب على ذلك ضعف في مهارات التواصل الاجتماعية مع الآخر الحقيقي!
في عام 2004، أطلق كل من الباحثين "Melvin deflin" و"Sandra Bower- Killoch" ما يسمى بالاعتمادية على وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلوا له شقين؛ شقا متعلقا بالاعتمادية الاعتيادية، التي يُبنى عليها الاستعمال القهري، والشق الثاني هو الاعتمادية النفسية الروحية، التي تُبنى عليها مشاعر من التوتر والقلق والفراغ بمجرد الابتعاد عنها. وهذا التصنيف ينطبق أيضا على برامج الذكاء الاصطناعي، ونماذج الاعتمادية التي قد تنجم عن استعمالها المفرط!
في كل مرة نتواجه مع جديد يحمله لنا العالم بفعل التقدم، تتباين الآراء وتظهر الانتقادات، ويكثر اللغط والجدل حول منافعه وآفاته، أنحاز للتوسط دائما
التعلق والاعتمادية العاطفية
قد يكون السبب وراء غياب صديقكم الثرثار عن جمعاتكم أنه وجد في أدوات الذكاء الاصطناعي مساحة من الاحتواء العاطفي، حتى بات اعتماديا! فهي تقدم له تعاطفا غير مشروط بلا قيد أو حد، لا يبذل أمامه جهدا، ويشبع احتياجاته!
هذا التواصل المستمر مع الآلة يجعل الإنسان قابلا لتجريد العلاقات من الإنسانية، لأنه مع اعتياد التواصل مع الآلة سيصعب عليه التعرف على عواطفه أو قراءتها عند الآخر، فضلا عما يرافق ذلك من ضحالة في العلاقات، وتأثر في مستوى الذكاء العاطفي. والمحزن في هذا كله أنها توهم الإنسان بأنه يتواصل ويتفاعل، بينما هي في الحقيقة لا تقوده إلا لغياهب العزلة والانفصال العاطفي.
في كل مرة نتواجه مع جديد يحمله لنا العالم بفعل التقدم، تتباين الآراء وتظهر الانتقادات، ويكثر اللغط والجدل حول منافعه وآفاته، أنحاز للتوسط دائما.
بعض التغييرات واقع لا مفر منه! وهنا، باتت برامج الذكاء الاصطناعي جزءا لا يُستغنى عنه، وإن السعي لفهم أضرارها، واستخدامها بوعي، هو ما يجب تسليط الضوء عليه، وتوجيه الطاقات من أجله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

