بعد مرور اثنين وعشرين شهرا على العدوان الوحشي على قطاع غزة وتفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية، حيث يرتفع عدد الشهداء والجوعى والجرحى والمشردين بصورة متزايدة، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعا طارئا على مستوى المندوبين الدائمين، برئاسة أمينها العام أحمد أبو الغيط، لبحث خطورة الوضع الإنساني المتدهور في القطاع.
وفقا لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني حوالي 90 ألف طفل وامرأة من سوء تغذية حاد، مما يعكس صورة مفزعة لأزمة غذاء حادة تتفاقم باستمرار
ويبدو هذا الاجتماع محاولة لإنقاذ ماء الوجه في مواجهة هذه الفاجعة، بعد أن تجاوزت الأوضاع حدود الكارثة لتصل إلى ما يشبه المجازر الصامتة الناتجة عن الجوع والخذلان المستمر.
وفي بيان مقتضب، أوضحت الجامعة أن الاجتماع يأتي في ظل التدهور الخطير للوضع الإنساني في غزة، حيث فاقم الحصار والإغلاق الكامل للمعابر من المجاعة، وتسبب في سقوط المزيد من الضحايا المدنيين الذين يلاقون حتفهم جوعا، في مشهد يُعد وصمة عار على جبين العالم والإنسانية جمعاء.
بينما يجتمع المندوبون العرب في القاهرة، كانت أعداد الضحايا في مستشفيات غزة تتزايد بصورة مروعة. ففي غضون 24 ساعة فقط، استشهد 99 فلسطينيا وأصيب أكثر من 650 آخرين، نتيجة استهداف مباشر للمدنيين أثناء سعيهم للحصول على المساعدات الغذائية.
وبذلك، ارتفع إجمالي ضحايا "لقمة العيش" إلى ما يزيد على ,1020 شهيدا و6.511 مصابا، حسبما أفادت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة.
الجوع لا يفرق بين صغير وكبير، رجل أو امرأة، فوفقا لبرنامج الأغذية العالمي، يعاني حوالي 90 ألف طفل وامرأة من سوء تغذية حاد، مما يعكس صورة مفزعة لأزمة غذاء حادة تتفاقم باستمرار، وأكد البرنامج أن نحو ثلث سكان القطاع لا يجدون طعاما لأيام متتالية، الأمر الذي ينذر بمجاعة شاملة، وكشف صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره الأخير عن وجود نحو 55 ألف امرأة حامل في غزة، بينهن ما لا يقل عن 11 ألفا يواجهن خطر المجاعة وسوء التغذية الحاد، مما قد يتسبب في مضاعفات تهدد حياة الأمهات وأجنتهن على حد سواء.
على الرغم من أن شبح المجاعة يخيم بوضوح على غزة، يظل التحرك العربي باهتا وفاترا، وربما يتسم باللامبالاة والعجز.
لم يعد الخذلان العربي مجرد غياب عن الفعل، بل تحول إلى صمت رسمي حيال أبشع الجرائم التي تُرتكب في القرن الحادي والعشرين. فلا تحرك دبلوماسيا فعَّالا، ولا ضغوط على القوى الفاعلة
انتظرت الجامعة العربية إعلان برنامج الأغذية العالمي عن بلوغ غزة مرحلة غير مسبوقة من التدهور لتدعو إلى اجتماع طارئ، وذلك رغم وضوح مؤشرات الكارثة منذ شهور، مع توقف المساعدات الدولية، واستهداف قوافل الإغاثة من قبل "إسرائيل"، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 4000%.
وفي هذا السياق، أعربت وكالة الأونروا عن تلقيها رسائل يائسة من موظفيها داخل فطاع غزة، تؤكد أن سكان غزة يتضورون جوعا، بينما تُمنع قوافل الإغاثة من الوصول منذ مارس/ آذار الماضي، كما حذرت الوكالة من أن أسعار السلع الأساسية تضاعفت أربعين مرة، في ظل غياب أي آلية فعالة لفك الحصار أو تأمين المساعدات.
لم يعد الخذلان العربي مجرد غياب عن الفعل، بل تحول إلى صمت رسمي حيال أبشع الجرائم التي تُرتكب في القرن الحادي والعشرين. فلا تحرك دبلوماسيا فعَّالا، ولا ضغوط على القوى الفاعلة، ولا حتى مواقف حازمة في المحافل الدولية، وكأن غزة خارج الخريطة، أو خارج نطاق الإحساس.
على الرغم من أهمية الاجتماع الطارئ كمؤشر متأخر لإدراك خطورة الموقف، فإن مصداقيته تبقى مرتبطة بنتائجه.
يبدو أن الموت جوعا في غزة لم يكن كافيا لتحريك ضمائر بعض الحكومات العربية، التي فضّلت التطبيع والصمت على اتخاذ مواقف تنقذ حياة الأبرياء
فهل ستكتفي الجامعة بإصدار بيان إدانة جديد؟ أم سيشهد العالم أخيرا موقفا عربيا موحدا يضغط بفاعلية لفك الحصار، ووقف المجاعة، وإدخال المساعدات؟
وهل ستبقى الشعوب غير العربية وحدها في الشوارع، بينما تكتفي الأنظمة العربية بالاجتماعات؟
يبدو أن الموت جوعا في غزة لم يكن كافيا لتحريك ضمائر بعض الحكومات العربية، التي فضّلت التطبيع والصمت على اتخاذ مواقف تنقذ حياة الأبرياء، والنتيجة، جثث الأطفال في الشوارع، وأرحام النساء خاوية، ومستشفيات بلا أدوية أو غذاء.
آمل ألا يكون الاجتماع الطارئ للجامعة العربية مجرد خطوة أخرى من الخطوات المعهودة التي لم تغير شيئا من الواقع. فهل سيشهد العالم تغييرا حقيقيا في التعاطي العربي مع كارثة غزة؟
أتخيل أن هذا الاجتماع سينضم إلى السلسلة الطويلة من القمم والبيانات التي لم تمنع مجزرة، ولم توقف مجاعة، ولم تنقذ إنسانا.
غزة ليست بحاجة إلى مزيد من الكلام والبيانات، فقد اكتفت من الخذلان حتى التخمة، ما تحتاجه غزة هو قرار حاسم لإجبار الاحتلال على وقف عدوانه ومجازره، وموقف واضح مقرون بأفعال ملموسة تتجسد في إدخال المساعدات وإعادة الإعمار وإنقاذ الأرواح، غزة بحاجة أيضا إلى وقف التطبيع وقطع العلاقات المتعددة مع هذا الكيان المجرم، وطرد السفراء وإغلاق السفارات في الدول العربية، وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الجوع سلاحا إسرائيليا، والخذلان العربي شريكا في حرب الإبادة والتجويع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

