وين الملايين.. وين العرب؟ بين الحلم العربي والعبري

رفع العلم الفلسطيني بمسيرات العودة وفعاليات إحياء ذكرى النكبة رغم حظره من قبل المؤسسة الإسرائيلية
أرشيف - رفع العلم الفلسطيني بمسيرات العودة رغم حظره من قبل المؤسسة الإسرائيلية (الجزيرة)

"وين الملايين.. وين العرب وين.." أجيال كاملة نشأت وترعرت وهي تحفظ هذه الأغنية الوطنية، التي لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيرا صادقا عن رغبة حقيقية في وحدة عربية تواجه مخططات الاحتلال الإسرائيلي الاستعمارية.

اليوم، هذا الشعار يجب أن يُستعاد بقوة. فأين الملايين من الشعوب العربية؟ وأين هم من مخططات الاحتلال التي لم تعد تكتفي بفلسطين، بل تتجه إلى مرحلة جديدة من مشروع "إسرائيل الكبرى"، الذي أعلن عنه صراحة مجرم الحرب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو؟

رغم عدم وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة منذ 2005 (بعد تفكيك المستوطنات والانسحاب)، فإن الواقع يثبت أن غزة فعليا تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي

منطلقات تأسيس الدولة العبرية

لفهم الواقع الحالي ووضع الأمور في نصابها الصحيح، لا بد من العودة إلى منطلقات تأسيس الدولة الصهيونية وبواعثها. فقد انطلقت الحركة الصهيونية في أواخر القرن الـ19 بهدف إقامة كيان استعماري استيطاني مدعوم من الغرب في قلب العالم العربي. ورغم استخدام شعارات زائفة آنذاك، فإن الهدف الحقيقي كان زرع كيان غريب يفصل المشرق عن المغرب العربي.

تأسست إسرائيل على أيديولوجيا تجمع بين العنصرية الدينية والاستيطان السياسي، تحت شعار: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، في تجاهل تام لوجود شعب فلسطيني أصيل.

وكان وعد بلفور (1917) بداية التعبير السياسي الرسمي عن هذا المشروع، بدعم بريطاني مفتوح، ليتحول لاحقا إلى مظلة أميركية-أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، مع منحه "شرعية" عبر قرار تقسيم فلسطين 1947.

أما تأسيس "إسرائيل" 1948 فجاء نتيجة تطهير عرقي لما يقارب 750 ألف فلسطيني (النكبة)، وتهديم مئات القرى، وارتكاب مجازر جماعية، في إطار مخطط واضح لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين.

كيان استيطاني إحلالي

إسرائيل ليست دولة طبيعية، بل كيانا استيطانيا إحلاليا يعتمد على القوة العسكرية والدعم الغربي للبقاء والتمدد، يمارس ضد الفلسطينيين نظام أبارتهايد، كما اعترفت منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة العفو الدولية (أمنستي).

إعلان

لا تزال إسرائيل تحتل أراضي فلسطين، والجولان السوري، ومزارع شبعا اللبنانية، وتمنع عودة اللاجئين، وتنتهك القانون الدولي يوميا. بل وتوسعت أكثر عبر الاستيطان في أكثر من 70% من أراضي الضفة الغربية، وإقامة قواعد وثكنات عسكرية، إلى جانب محاولات إعادة احتلال غزة.

مع ضرورة الإشارة هنا إلى أنه، ورغم عدم وجود جيش الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة منذ 2005 (بعد تفكيك المستوطنات والانسحاب)، فإن الواقع يثبت أن غزة فعليا تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، حالها حال الضفة الغربية والقدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وما فُرض منذ الانسحاب 2005، ويتواصل بل يتصاعد حاليا، من حصار شامل ومتكامل (برا وجوا وبحرا)، هو احتلال مُهندس وليس عشوائيا. ولذا فإن إعلان الاحتلال غزة "كيانا معاديا" هو جزء من هندسة الاحتلال والحصار والتجويع والإبادة، بحيث يُجيز ذلك للاحتلال استخدام كل القدرات العسكرية المتاحة كما لو أن غزة دولة مستقلة.

تغيير المصطلحات هو ما استغلته إسرائيل في حروبها أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، وأخيرا في حرب الإبادة الأشد منذ 2023 حتى اليوم. كما تسعى إسرائيل إلى تفكيك المجتمعات العربية من الداخل عبر أدوات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية.

تصريحات نتنياهو الأخيرة بأن "إسرائيل الكبرى" تمتد من النيل إلى الفرات، ليست مجرد كلام عابر، بل هي تعبير صريح عن العقيدة الصهيونية الحاكمة

خطر وجودي على الأمة

وجود إسرائيل في قلب الأمة مشروع لتفتيتها، وقد أثبتت الوقائع دورها في إشعال النزاعات وتغذية الانقسامات، في إطار مخطط "شرق أوسط جديد" تتزعمه إسرائيل إقليميا بدلا من الدول العربية.

ويُروَج اليوم لما يُسمى بـ"اتفاق أبراهام"، الذي ليس اتفاق سلام، بل هو مشروع اصطفاف سياسي واقتصادي وثقافي، هدفه دمج إسرائيل في المنطقة وتطبيع وجودها العسكري والاستخباري.

هذا الاتفاق يُضعف القضية الفلسطينية، ويمنح الاحتلال شرعية كان يُحرم منها لعقود، بل ويسمح له ببناء قواعد نفوذ مباشرة داخل الدول العربية تحت غطاء "التعاون الإقليمي". كما يسمح لإسرائيل بملاحقة المعارضين، واختراق الأمن العربي، وتفكيك القضية المركزية للأمة: فلسطين.

تصريحات نتنياهو.. إنذار واضح

تصريحات نتنياهو الأخيرة بأن "إسرائيل الكبرى" تمتد من النيل إلى الفرات، ليست مجرد كلام عابر، بل هي تعبير صريح عن العقيدة الصهيونية الحاكمة. مشاريع الاستيطان في الضفة، الإبادة في غزة، تهويد القدس، المخططات ضد الأردن وسيناء.. كلها خطوات على طريق مشروع "الدولة الممتدة".

كل اتفاق تطبيع في ظل هذه العقلية ليس سلاما، بل تمهيدا لاحتلال جديد غير مباشر، يتيح للاحتلال اختراق بنية الأمن والسيادة العربية، وتبرير عدوانه على غزة والضفة بوصفه "حقا في الدفاع عن النفس"، بينما يُذبح الفلسطينيون يوميا.

يجب أن ندرك أن "من النيل إلى الفرات" جزء من الأدبيات الصهيونية القديمة، ويرتبط بما يُسمى "أرض إسرائيل الكبرى" التي تشمل مناطق واسعة من أراضي الدول العربية والإسلامية

الصمت العربي.. هل شجعهم؟

بلا شك، الصمت العربي والضعف الرسمي في المواقف العربية والإسلامية طوال الحرب على غزة شكلا بيئة مشجعة لإحياء مشاريع توسعية مثل "إسرائيل الكبرى".

إعلان

غياب ردود الفعل القوية فتح المجال أمام الاحتلال لاتخاذ خطوات غير مسبوقة من تطهير وتهجير واستيطان، بل وضم فعلي لأجزاء واسعة من غزة والضفة.

تصاعدت أصوات اليمين القومي والديني داخل إسرائيل، التي باتت تتحدث صراحة عن إعادة رسم خريطة المنطقة. وقد رُصدت شعارات وخرائط وتصريحات من قادة سياسيين ودينيين تصب في هذا الاتجاه، دون أي ردع عربي يُذكر.

بل إن استمرار بعض أشكال التطبيع، العلني أو الخفي، مع إسرائيل حتى في ذروة المجازر، أوصل رسالة مفادها أن "الاحتلال لم يعد عائقا" في العلاقات الإقليمية، مما شجع أطماع الاحتلال أكثر.

شعار.. هل اقترب من التحقيق؟

يُطرح اليوم سؤال ملح: شعار "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"، هل بات قريبا من التحقق في ظل المعطيات الميدانية والتصريحات الإسرائيلية الرسمية؟

لنعرف ذلك، يجب أن ندرك أن "من النيل إلى الفرات" جزء من الأدبيات الصهيونية القديمة، ويرتبط بما يُسمى "أرض إسرائيل الكبرى" التي تشمل مناطق واسعة من أراضي الدول العربية والإسلامية، استنادا إلى تفسيرات توراتية متطرفة.

إسرائيل تسعى لتحقيق ذلك، وتعمل على توسيع نفوذها الإقليمي بشكل غير مباشر عبر التطبيع، والتعاون الأمني والاقتصادي والاستخباراتي. هي تبسط سيطرتها على كامل فلسطين تقريبا، تحتل الجولان السوري، وأجزاء من لبنان (مزارع شبعا)، وتتدخل في سياسات دول عربية.

كما تكرس واقعا ديمغرافيا وجغرافيا في الضفة الغربية، وتخطط لإعادة احتلال غزة أو إقامة "حزام أمني" داخلها. لذلك، لا يمكن القول إن الشعار تحقق بالمعنى الحرفي، لكنه يُترجم اليوم إلى "تمدد نفوذ وسيطرة استخبارية وتفكيك للدول وتطبيع مع أنظمة، أي احتلال بالوكالة".

اليوم، المطلوب مواجهة هذا المشروع الاستعماري بمشروع وحدوي عربي- إسلامي حازم في مواقفه وأفعاله، على صعيد الحكومات والبرلمانات والشعوب

اختراق قلب الأمة

الاحتلال لم يُؤسس كملجأ لليهود فقط، بل كمشروع استعماري استيطاني لزرع جسم غريب في قلب الأمة، يهدد وحدتها وهويتها وقرارها السيادي. اتفاق أبراهام ليس سلاما، بل مخططا لتصفية القضية الفلسطينية ومنح الاحتلال شرعية داخلية في عواصمنا العربية والإسلامية.

تصريحات نتنياهو عن "إسرائيل الكبرى" ليست طموحا سياسيا مجردا، بل خطة مفعلة على الأرض. وما لم تستيقظ الشعوب وتُفعل إرادتها، فإن التطبيع سيُصبح غطاء لهذا الزحف، وستضيع القضية من بين أيدينا.

"وين الملايين… وين العرب؟".. لم تكن أغنية، بل كانت صرخة. واليوم علينا أن نُعيدها شعارا للميدان. فالأمة التي تتخلى عن فلسطين، تتخلى عن قلبها، وتفتح الطريق لتفتيت جسدها، وتغلق الباب أمام مستقبلها.

مطالب إجرائية

اليوم، المطلوب مواجهة هذا المشروع الاستعماري بمشروع وحدوي عربي- إسلامي حازم في مواقفه وأفعاله، على صعيد الحكومات والبرلمانات والشعوب. مطلوب أيضا حراك فلسطيني شعبي ومؤسساتي ورسمي يعزز الوحدة الوطنية داخل الوطن، ويعزز الوحدة مع الإطار العربي بما يخدم القضية الفلسطينية.

كما ينبغي السعي لحراك حقيقي وفاعل ومؤثر مع الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، إلى جانب تفعيل ردود الفعل الرافضة للتوجهات الإسرائيلية بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة. أيضا، مطلوب تفعيل منظمات الأمم المتحدة الرافضة لشطب الدولة الفلسطينية، والتي كان لها مواقف قوية مع الشعب الفلسطيني وقضيته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان