- الترجمة الخادعة: كيف تشوه أدوات الذكاء الاصطناعي الرواية الفلسطينية عند عبورها اللغات (في ظل حرب غزة)؟
بينما تتوالى المجازر في غزة، وتغرق الشاشات بصور الألم الحي القادم من قلب الكارثة، تخوض الرواية الفلسطينية معركة موازية لا تقل شراسة عن المعركة على الأرض، لكنها أكثر خفاء: إنها معركة اللغة.
هذه المعركة لا تتعلق فقط بما يقال، بل بكيفية انتقال ما يقال عبر اللغات، وما يُفقد من المعنى عند أول نقطة عبور؛ فكل ترجمة تجرى اليوم على نص فلسطيني هي قرار سردي، وهي أحيانا قرار سياسي وأخلاقي يعيد تشكيل الوعي أو يشوهه.
حين تترجم كلمة "شهيد" إلى "Martyr"، لا تبدو الترجمة خاطئة شكليا، لكن هذا المصطلح محمل في الإعلام الغربي بإيحاءات دينية- أمنية سلبية، تربطه غالبا بالتشدد أو الغموض الأخلاقي، وتجرده من بُعده التحرري والإنساني
الكلمات التي تعبر عن الكرامة والمقاومة تُنتزع من سياقها التحرري حين تمر عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لتُفرغ من دلالاتها وتُعاد قولبتها داخل منظومات لغوية مبرمجة على مرجعيات ثقافية منحازة، غالبا ما تكون غربية الطابع والهوى.
في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من بنية الهيمنة اللغوية، من حيث يدري أو من حيث لا يدري. فأنظمة الترجمة الآلية مثل Google Translate وMeta AI وOpenAI لا تعمل في فراغ ثقافي، بل تستند إلى قواعد بيانات ضخمة تم تدريبها على محتوى لغوي وإعلامي مشبع بالسرديات الغربية، بما في ذلك الخطاب الأمني والاستشراقي المرتبط بفلسطين.
حين تترجم كلمة "شهيد" إلى "Martyr"، لا تبدو الترجمة خاطئة شكليا، لكن هذا المصطلح محمل في الإعلام الغربي بإيحاءات دينية- أمنية سلبية، تربطه غالبا بالتشدد أو الغموض الأخلاقي، وتجرده من بُعده التحرري والإنساني.
كذلك الأمر مع مصطلح "مقاومة" الذي يترجَم إلى "Resistance"، لكنه يظهر في نتائج البحث ضمن سياقات عنف أو "إرهاب"، ما يخلق تشويشا بنيويا يقوض جوهر الخطاب الفلسطيني.
هذا الخلل ليس تفصيلا لغويا، بل هو اختلال عميق في ميزان السرد، تتحول فيه الخوارزمية إلى وسيط استعماري جديد يعيد إنتاج علاقات القوة عبر اللغة.
فتحت ادعاء "الحياد التلقائي" و"الترجمة الموضوعية"، تُرتكب عملية ناعمة من إزاحة المعنى وإعادة تصنيعه وفق أطر غير محايدة. والمفارقة أن هذا الاحتلال اللغوي يتم غالبا بصمت، وبغطاء تقني يبدو محايدا، بينما هو في الحقيقة انعكاس غير مباشر لهيمنة خطابية، تنسف حق الشعوب في تسمية ذاتها وتوصيف معاناتها بلغتها الخاصة.
الاحتلال لم يعد فقط للأرض، بل للمفردة والسياق والدلالة. الكلمة تُحتل، والمعنى يُختطف، والسردية تُخترق في لحظة الترجمة
الخطورة تتضاعف حين ندرك أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة تواصل أو شرح، بل أصبحت وسيلة اصطفاف سياسي وأخلاقي.
ففي عصر منصات التواصل والذكاء الاصطناعي، الكلمة لم تعد فقط تُستخدم، بل تُفلتر وتُعاد هندستها رقميا، ما يجعل من كل مصطلح معركة مستقلة بذاتها. الاحتلال لم يعد فقط للأرض، بل للمفردة والسياق والدلالة. الكلمة تُحتل، والمعنى يُختطف، والسردية تُخترق في لحظة الترجمة.
وحين يُفقد السياق، تفقد الكلمات جذورها، فتصبح العدالة "عنفا مبررا"، وتتحول المجازر إلى "Clashes"، واللاجئ إلى "Displaced"، والنكبة إلى "Conflict".
لكن، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تكسرت بعض هذه المعادلات… الفلسطيني لم يخرج فقط ليُظهر معاناته للعالم، بل فرض لغته ومصطلحاته؛ لم يعد المتحدث باسمه الإعلام الغربي أو الترجمة المعقمة، بل بات هو من يصوغ الحدث، ويسميه دون مواربة.
في تلك اللحظة المفصلية، تمسّك الفلسطيني بالكلمة كما يمسك بالحجر، واستعاد زمام السرد، فغدت اللغة نفسها ساحة اشتباك واستعادة. هذه الانعطافة لم تكن فقط إعلامية، بل لغوية- سياسية، أفرزت ما يمكن تسميته بجبهة التحرير اللغوي الرقمي، حيث باتت الكلمة الفلسطينية تطالب لا بالتفسير فقط، بل بالاعتراف.
في زمن تتحول فيه الكلمة إلى رصاصة رقمية، يصبح النضال اللغوي واحدا من أنبل جبهات المقاومة المعاصرة
هذه المعركة تفرض علينا- كمتخصصين في الإعلام الرقمي، والعلاقات العامة، والترجمة السياسية- أن نخرج من موقف الراصد إلى موقع المبادر، فلم يعد كافيا أن نكشف التشويه، بل علينا مواجهته بأدوات بديلة.
نحن بحاجة إلى قواميس مقاومة تعيد تعريف المصطلحات الفلسطينية بلغة عادلة، تنقل الدلالة دون أن تبتلعها الروايات المسيطرة. نحتاج إلى منصات تدقيق سردي، ترصد التلاعبات الخفية وتفكك أثرها على المتلقي العالمي، كما نحتاج إلى أدوات ترجمة تُبنى من داخل السياق العربي، وتُطوَّر بالشراكة مع مؤسسات تضامنية، لتقدم ترجمات تحفظ العلاقة بين اللغة والمكان والعدالة.
إن الترجمة حين تُنفذ بلا وعي سياسي وسياقي تتحول إلى شكل جديد من أشكال العنف الرمزي، حيث تُرتكب جريمة سردية لا تُرى، لكنها تترك أثرا عميقا في الوعي العام.
الرواية الفلسطينية، في ظل هذه الحرب، لا تُسرق فقط على الشاشات، بل تشوّه في اللحظة التي تُترجم فيها للعالم. لذلك، فإن الدفاع عن المعنى بات ضرورة لا تقل شأنا عن الدفاع عن الأرض. وفي زمن تتحول فيه الكلمة إلى رصاصة رقمية، يصبح النضال اللغوي واحدا من أنبل جبهات المقاومة المعاصرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

