ما كان ينبغي لأولئك الذين رأوا المعجزات تتجسد أمامهم واقعا أن يروا استحالة تحقّق ما دونها من صعاب!
هم أنفسهم الذين سلكوا طريقا في البحر يبسا، بعدما ضرب نبيهم موسى (عليه السلام) بعصاه البحر استجابة لأمر الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.. عبروا يبسا كان من قبل ماء، حتى جاوز الله ببني إسرائيل البحر، ليعود بعد ذلك ماء كما كان، فيُغرق فرعون وجنوده، وينجيهم منهم.
إن الله هو الذي كان معهم في رحلة المخاطر تلك، حتى جعل خوفهم أمنا، وأحال ضعفهم قوة! ومن كان معهم في ذلك لن يتخلى عنهم إذا ما استجابوا لأمره بأن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها لهم؛ بينما الخيبة كل الخيبة أن يرتدوا على أدبارهم، فينقلبوا خاسرين. فلماذا إذا هالهم الأمر فتلكؤوا؟!
قالوا إن فيها قوما جبارين، وكأنهم نسوا هلاك من أوصله جبروته إلى القول "أنا ربكم الأعلى"! لكن.. لعلها غلبة النسيان! لعله طغيان الوهم! إذًا، لا بأس -والحال كذلك- في إعادة تذكيرهم بأن المطلوب منهم مجرد الاستجابة للأمر الإلهي، وأما النصر بعد ذلك فهو من الله الذي لا غالب إلا هو؛ فكان أن {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة، 23).
ربما أزال ذلك التذكير ما كان من وهم، ولكن برز ما كان يستتر في ثناياه من وهن! إنه الميل إلى راحة خادعة، إنه حب الدنيا وكراهية الموت، إنه الانسياق مع هوى النفس.. هذا الوهن أعلن عن نفسه في خطاب القوم لموسى (عليه السلام): "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون".
الحقيقة أن طلب الثبات في ذلك الموقف، والصبر عما ترغبه النفس، كانت غايته تهيئة ضرورية لها لما ستواجهه لاحقا، وهذا ما تأكد إذ سيطر الوهم على معظم من تبقى من الجيش
طالوت وجالوت
ويمضي على ذاك الزمان زمان، ويعيش بنو إسرائيل من جديد تجربة الصراع بين ما يستنهض العزائم، وبين ما يثبطها ويدعوها للانكفاء؛ فتنهض أقلية مؤمنة لتنال عزّ الدنيا وحُسن ثواب الآخرة، بينما يتقاعس كثيرون فيكون حصادهم الخيبة والخسران، بعد أن استسلموا للوهم وللوهن.
حدث هذا مع الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، أولئك الذين طلبوا من نبي لهم أن يبعث لهم ملكا ليقاتلوا في سبيل الله، بعدما أذاقهم العمالقة وملكهم جالوت الذل والهوان، وأخرجوهم من ديارهم وأبنائهم.. ولكن، بدا أن الحماس الذي أظهره القوم ستُظهر الوقائع خلافه إذا ما جد الجد!
اعترضوا أولا على أن يكون الملك الذي سيقاتلون بقيادته وتحت إمرته هو طالوت، حيث اعتبروا أنفسهم أحق بالملك منه، فهو ليس سليل الملوك، وقد وجدوه فقيرا لم يُؤتَ سعة من المال.
ثم لما جاءتهم الآيات تؤكد لهم أن الله ارتضاه ملكا عليهم، ساروا معه على مضض في جيش بلغ تعداده ثمانين ألفا، لكن هذا العدد تضاءل واضمحل بعدما تعرضوا لامتحان إثر امتحان، ليظهر مقدار ما هم عليه من الصدق والإيمان والثبات.
جاءهم من طالوت إخبار وإنذار، إذ {قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده} (البقرة، 249)، لكنهم خاروا لما رأوا الماء، وقد أصابهم من العطش ما أصابهم، واستسلم أكثرهم للوهن، {فشربوا منه إلا قليلا منهم} (البقرة، 249).
والحقيقة أن طلب الثبات في ذلك الموقف، والصبر عما ترغبه النفس، كانت غايته تهيئة ضرورية لها لما ستواجهه لاحقا، وهذا ما تأكد إذ سيطر الوهم على معظم من تبقى من الجيش فـ {قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده} (البقرة، 249).
لكن، وسط هذا المشهد بقيت بقعة مضيئة، فقد {قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} (البقرة، 249).
إنهم ثلة قليلون، ثلاثمئة وبضعة رجال ثبتوا أمام المحن من بين ثمانين ألفا، هم الذين {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} (البقرة، 250).
لقد استعانوا بالله فأعانهم، واستنصروه على جالوت وجنوده فنصرهم، {فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وأتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} (البقرة، 251).
لم يكن قتل داود لجالوت بسلاح ثقيل، بل بحجر قذفه من مقلاع صغير، بعد أن خرج إلى خصمه متخففا من الدرع، ماشيا قد عاف الفرس الذي قدموه له! كأنما هي إشارة تأكيد من الله للخلق بأن عامل النصر الحاسم ليس ما بين أيدينا من سلاح، وإنما هو ما تعمر به قلوبنا من إيمان.
انسحب من جيش طالوت أغلب الجند، فلم يضروا الله شيئا؛ فقد حقق الله نصر المؤمنين على الطغاة بقليلين رسخ في قلوبهم الإيمان
سنة الله في الاستبدال
أعرض قوم موسى عن الأمر الإلهي بدخول الأرض المقدسة، فجعلها الله محرمة عليهم أربعين سنة، وحكم عليهم بالتيه في الأرض، فكأنما كان هذا ضرورة لينتهي ذلك الجيل، ويأتي من بعده جيل آخر متحرر من آفات سالفه، يكون أهلا للقيام بعظائم المهمات.
وانسحب من جيش طالوت أغلب الجند، فلم يضروا الله شيئا؛ فقد حقق الله نصر المؤمنين على الطغاة بقليلين رسخ في قلوبهم الإيمان. أما من كانوا دون ذلك فقد استغنى الله عنهم، بعد أن فوّتوا على أنفسهم شرف وثواب أن يكونوا مادة النصر.
إنها سنة الله في الاستبدال.. قانون رباني سرى على من كان قبلنا، وإنه علينا يسري! والمؤمن إن أدرك هذه الحقيقة، وأدرك معها حقيقة أخرى راسخة، هي أن الله بالغ أمره، ومنجز وعده، فإنه لن يجد همه الحقيقي حينها في انتظاره موعود الله بالتمكين لأوليائه، لأن ذلك قادم لا محالة، بل سيجد همه أن يكون هو في زمرة أولياء الله؛ وعندها سيجد أنه قد ترك سلوك المُثّاقلين إلى الأرض، ومضى إلى الغاية آخذا سبيل الذين يظنون أنهم ملاقو الله، لا يُحبطه وهم، ولا يُقعده وهن.
يخطئ من يظن أن الذي أصاب بني إسرائيل بالأمس بقي حكرا عليهم؛ فإن من يتأمل حالنا اليوم يدرك أن الذي كان فيهم قد حل بنا؛ إذ أسلمنا تفكيرنا للوهم، وعطّلنا قدراتنا بالوهن..
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

