في عصرنا هذا تُصوَر الحروب على الهواء مباشرة، وهنا لا يبقى قتل الصحفي جريمة فردية، بل إعلان حرب على الحقيقة ذاتها. فقد كان اغتيال الصحفيين الميدانيين، ومن بينهم أنس الشريف، رسالة دامية من الكيان الإسرائيلي إلى كل من يجرؤ على نقل الصورة من قلب المأساة: أن الحقيقة عدو، ويجب إسكاتها قبل أن تصل إلى العالم.
إن محاولة كسر إرادة المقاومة الفكرية والإعلامية تتشابه مع محاولة تحطيم البنية المادية لغزة.. قد تُهدم الأبراج، لكن ستظل الفكرة قائمة: أن فلسطين قضية لا تموت بموت أصحابها، بل تتجدد بأجيال جديدة من الرجال والنساء الذين لا يعرفون الاستسلام
أنس الشريف -كغيره من صحفيي الجزيرة الذين وثّقوا بعيونهم وعدساتهم الفظائع في غزة- لم يكن يحمل سلاحا، بل كاميرا.. كان سلاحه الوحيد هو الصورة، وهي في نظر المحتل أخطر من أي قذيفة، لأنها قادرة على فضح الجريمة وتغيير الرأي العام العالمي.
في لحظة اغتياله، لم يُستهدف شخصه فحسب، بل استُهدفت الفكرة التي يمثلها: أن الصحافة الحرة خط الدفاع الأول عن الحقيقة.
إن هذا السلوك ليس حدثا معزولا، بل يتناغم مع نمط طويل من استهداف الكيان للصحفيين، والأطباء، والمسعفين، وحتى المدارس والمستشفيات.
فالتصفية الممنهجة للعقول الحرة، والتضييق على الشهود، هذا السلوك ليس مجرد جرائم حرب بالمعنى القانوني، بل هو إستراتيجية سياسية تستمد روحها من نزعة انتقامية غريزية، تسعى لقتل كل ما هو جميل، وحيّ، ومقاوم.
لكن الكيان يخطئ قراءة التاريخ؛ فإسكات صوت أنس لن يُسكت الرسالة التي كان يحملها، بل- على العكس- سيولد من كل صحفي شهيد العشرات ممن يقررون حمل الكاميرا ومواصلة المسار.
إن محاولة كسر إرادة المقاومة الفكرية والإعلامية تتشابه مع محاولة تحطيم البنية المادية لغزة.. قد تُهدم الأبراج، لكن ستظل الفكرة قائمة: أن فلسطين قضية لا تموت بموت أصحابها، بل تتجدد بأجيال جديدة من الرجال والنساء الذين لا يعرفون الاستسلام.
المعركة ضد الاحتلال ليست مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل هي معركة سرد، معركة على رواية ما يحدث
اليوم، يحتاج العالم إلى "أنس الشريف" آخر، وإلى مزيد من الصحفيين الذين يغامرون بحياتهم من أجل إيصال القصة كاملة، غير مبتورة، وغير مزيفة.
يحتاج إلى مقاومين في الميدان، وإلى مقاومين بالكاميرا، وبالبحث الأكاديمي، وبالفن، وبكل أدوات الإبداع؛ فالحرب على غزة ليست حربا على الأرض فقط، بل هي حرب على الذاكرة، وعلى الرواية، وعلى حق الناس في أن يعرفوا الحقيقة.
من السذاجة أن يُعتقد أن استهداف الصحفيين سيمنع تسرب الحقيقة إلى الخارج؛ ففي عصر وسائل التواصل تنتقل الصور عبر العالم في ثوانٍ، وتتحول إلى أدوات ضغط سياسي، وإلى محفزات لمساءلة الحكومات، بل وحتى إلى أدلة في محاكم جرائم الحرب.
ولهذا، فإن قتل الصحفيين هو اعتراف ضمني من الكيان بأن الكلمة لا تزال تملك قوة قادرة على هزيمة الدعاية الرسمية، وكشف البنية الأخلاقية المهترئة لمنظومته.
لكن الرد الحقيقي على هذا السلوك المريض لا يكون بمجرد التنديد، ولا بالاكتفاء بلجان التحقيق الدولية، التي غالبا ما تُدفن تقاريرها في الأدراج.
الرد يكون عبر إنتاج المزيد من الأصوات الحرة، المزيد من "أنس الشريف"، المزيد من العقول الشجاعة التي تدرك أن نقل الحقيقة مسؤولية، وأن من يمتلك الكلمة يمتلك القدرة على قلب موازين القوى، ولو على المدى الطويل.
إن قتل الصحافة هو قتل الحقيقة، لكن التاريخ أثبت أن الحقيقة قد تنزف، لكنها لا تموت
إذن، المعركة ضد الاحتلال ليست مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل هي معركة سرد، معركة على رواية ما يحدث.. ومن يربح الرواية يربح التعاطف الدولي، ومن يربح التعاطف الدولي يقترب خطوة نحو النصر. لهذا، فإن كل عدسة تُكسر يجب أن تُستبدل بها عشر عدسات، وكل قلم يُكسر يجب أن يُستبدل به مئة قلم.
ربما ينجح الكيان في قتل الأفراد، لكنه لن ينجح في قتل الفكرة! والفكرة بسيطة، لكنها عصية على الانكسار: أن الشعب الذي يلد من تحت الركام رجالا ونساء يرفضون الاستسلام لا يمكن محوه من التاريخ.. وأن غزة التي تودع شهيدا كل يوم تلد مقاومين كل ساعة، وأن الصحافة الحرة- مهما طاردها القمع- ستجد دائما من يحمل رايتها.
إن قتل الصحافة هو قتل الحقيقة، لكن التاريخ أثبت أن الحقيقة قد تنزف، لكنها لا تموت.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

