منذ احتلال الضفة الغربية 1967، مارست إسرائيل خططا متدرجة ومتعددة المسارات على الأرض الفلسطينية، من ضمنها الاستيطان؛ فقد شجعت إسرائيل سياسة الاستيطان بهدف تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وتحييد إمكانات قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، وتحول الاستيطان منذ ذلك الحين إلى آلية هيمنة فعلية على الأرض.
الاستيطان في الضفة الغربية لا يُعدّ مجرد سياسة سكنية أو توسعية، بل هو أداة إستراتيجية مركزية في مشروع صهيوني منظم للسيطرة على الأرض وتفكيك الوجود الفلسطيني.
الهدف الأساسي للاستيطان هو اختلاق واقع ديمغرافي وجغرافي وقانوني يجعل من الضفة الغربية فضاء إسرائيليا بحكم الواقع؛ بحيث لا تعود هناك أغلبية فلسطينية متماسكة
الأهداف الاستيطانية في الضفة الغربية
في ضوء التمعن والتوسع في القراءات والمراجعات الجلية الواضحة لأهداف الاستيطان، نرى أن إسرائيل تسعى إلى:
- الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين.
- فصل التجمعات الفلسطينية بهدف التفرقة، وتسهيل مهمة السيطرة على الأرض، وهدم المباني والمنشآت.
- إنشاء تكتلات استيطانية تكون بمثابة عائق أمام التواصل الجغرافي الفلسطيني.
- فرض واقع على الفلسطينيين يصعب التراجع عنه في أي تسوية سياسية قادمة.
الهدف الأساسي للاستيطان ليس بناء مساكن لليهود، كما يدّعون، وإنما اختلاق واقع ديمغرافي وجغرافي وقانوني يجعل من الضفة الغربية فضاء إسرائيليا بحكم الواقع؛ بحيث لا تعود هناك أغلبية فلسطينية متماسكة، عبر تقطيع الجغرافيا، وفرض حكم ذاتي محدود على الكتل السكانية الكبرى، دون سيادة أو حدود.
فالمشروع الاستيطاني لا يستند إلى أيديولوجيا توراتية فقط، بل على منطق أمني استيطاني سياسي.
إسرائيل لا تنتظر أي تسوية من الجانب الفلسطيني، بل تصنع واقعها بيدها، وتستثمر الانقسام الفلسطيني، والانشغال الإعلامي بالأحداث الدموية في غزة، والصمت الدولي، والخذلان العربي
الوسائل الاستيطانية للسيطرة على الأرض الفلسطينية
تنتهج إسرائيل سياسة مصادرة الأراضي تحت الغطاء القانوني والعسكري، فهي تستخدم إلى الآن أدوات قانونية من حقبة الانتداب، وأوامر عسكرية ومبررات "الأمن القومي" للاستيلاء الممنهج على الأراضي الفلسطينية، ووضعها تحت اسم "أراضي دولة" لتسليمها للمستوطنين.
وتعمل إسرائيل حاليا على التوسع في بناء بؤر عشوائية استيطانية غير قانونية، تعمل الحكومة الإسرائيلية على ربطها بالبنى التحتية، وإمدادها بالخدمات والمساعدات اللازمة، وتلي هذا الاستيلاء سياسات محاولة شرعنة واعتراف بها بشكل رسمي، ضمن ما يسمونه "مخططات التوسيع".
تستغل إسرائيل الطريق الإستراتيجي والربط الجغرافي، فقد أنشأت شبكات طرق التفافية لفصل الفلسطيني عن أرضه، وربطت المستوطنات بعضها ببعض ومع الداخل الفلسطيني المحتل.
وهذه ليست مجرد شبكة بنية تحتية، بل خريطة سيطرة فعلية على الحركة والمعابر، وإعاقة تواصل الفلسطيني مع أراضي أجداده وأشقائه، وتفكيك المجتمع الفلسطيني والسيطرة على أجزاء كبيرة منه، كلعبة بازل تفقد عددا من قطعها فيستحيل تركيبها، وهذا ما يرمي إليه الاحتلال في واقع الضفة الغربية، مما يجعل عمليات السيطرة سهلة وممكنة (كما يُخيل لهم).
في الوضع الحالي، نرى ازديادا واضحا لحالات العنف والقتل الممنهج من قبل المستوطنين بحق الشعب الفلسطيني (الإرهاب الاستيطاني)، حيث شهدت الآونة الأخيرة اعتداءات همجية وعمليات قتل لعدد من الفلسطينيين، أثناء محاولات السيطرة على الأراضي في عدد من القرى الفلسطينية، ويتم هذا الاعتداء تحت حماية من قوات الاحتلال.
يبدو الأمر من الخارج محاولة سيطرة على الأرض، ولكنه في طياته يخفي جانبا من مخططات تهجير قسري تدريجي للمواطنين، وإخلاء للمجتمع الفلسطيني.
ويستبدل الكيان الإسرائيلي بمصطلح "احتلال" مصطلح "استيلاء وسيطرة" على الأرض الفلسطينية.
يتزامن هذا الأمر مع سياسات هدم المنازل، ومنع تراخيص البناء، والاستيلاء على مصادر المياه والكهرباء وتقليص مصادرها، بالإضافة إلى التضييق الاقتصادي.
هذه المحاولات قائمة من أجل إجبار السكان على الرحيل الطوعي، أو على الأقل انسحابهم من المناطق المستهدفة بالاستيطان.
المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ليس مجرد مشروع عشوائي، بل هو مخطط بمنتهى الدقة وبمستويات متوازية من العمل السياسي، العسكري، القانوني، والديني
رأي باحثة فلسطينية معاصرة للأحداث
"المشروع الصهيوني في الضفة الغربية غير قادم، بل جاري التنفيذ في الوقت الحالي.. فينقل الكيان الصلاحيات من الجيش للحكومة، من أجل ضمان الضفة الغربية قانونيا بدون إعلان.
فالمؤسسة الصهيونية تتعامل مع الضفة باعتبارها جوهرا للمشروع الصهيوني، وليست مجرد منطقة جغرافية قابلة للتفاوض، وتُعتبر السيطرة عليها أمرا ضروريا أمنيا إستراتيجيا لحماية العمق الإسرائيلي ومنع نشوء كيان فلسطيني معادٍ".
"المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ليس مجرد مشروع عشوائي، بل هو مخطط بمنتهى الدقة وبمستويات متوازية من العمل السياسي، العسكري، القانوني، والديني.
إسرائيل -من وجهة نظري كباحثة- لا تنتظر أي تسوية من الجانب الفلسطيني، بل تصنع واقعها بيدها، وتستثمر الانقسام الفلسطيني، والانشغال الإعلامي بالأحداث الدموية في قطاع غزة، والصمت الدولي، والخذلان العربي".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
