ماذا بعد الإدانات الواسعة لاغتيال مراسلي الجزيرة؟

مراسل الجزيرة الشهيد أنس الشريف
مراسل الجزيرة الشهيد أنس الشريف (الجزيرة)

بعد تأكيد نبأ استشهاد أنس الشريف ورفاقه من طاقم الجزيرة الإعلامي، تصدّر وسم #أنس_الشريف، منصات التواصل الاجتماعي في فلسطين والعالم العربي، وتدفقت رسائل التعزية من الصحفيين والكتاب والناشطين، مشيدة بشجاعته وثباته في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، وخيّم الحزن العميق في الأوساط الإعلامية والشعبية إثر هذا النبأ.

وأكدت مصادر محلية استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي له بشكل مباشر أثناء تغطيته الأحداث في شمال قطاع غزة.

عُرف الشهيد بثباته في الميدان وإصراره على نقل الحقيقة، وقبل استشهاده بساعات نشر آخر كلماته عبر منصة "إكس" قائلا: "لن أخرج من غزة إلا إلى الجنة"، في إشارة واضحة إلى رفضه مغادرة أرضه رغم اشتداد القصف الإسرائيلي على مناطق عدة.

توالت الإدانات الدولية لعملية اغتيال مراسلي قناة الجزيرة، محذرة من مغبة ارتكاب مجازر أكبر في المستقبل، وأصدرت المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها "مراسلون بلا حدود" و"اللجنة الدولية لحماية الصحفيين"، بيانات إدانة، مؤكدة أن استهداف أنس الشريف ورفاقه يمثل جزءا من سياسة ممنهجة تهدف إلى القضاء على التغطية الإعلامية المستقلة من داخل غزة، وهو ما يعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني.

تلخص جريمة اغتيال الصحفيين كل معاني الاستباحة التي تمارسها قوات الاحتلال في غزة على مرأى من العالم، ودون خشية من أي عقاب، ما يعكس استخفافا غير مسبوق بكل المواثيق والأعراف الدولية

لم يكن اغتيال أنس الشريف حادثا عابرا، بل سبقته حملة تحريض واضحة من جهات إسرائيلية على منصات التواصل الاجتماعي، اتهمته بدعم المقاومة الفلسطينية وتوثيق جرائم الاحتلال، وهو ما اعتبره مراقبون "ضوءا أخضر" لاستهدافه.

وأكدت مصادر حقوقية أن قوات الاحتلال تعمدت خلال الحرب نشر أسماء وصور صحفيين ونشطاء بارزين، مصحوبة بادعاءات تضليلية وتحريضية، مما جعلهم أهدافا مباشرة للقصف. وفي حالة الشريف، جاء استهدافه بعد أيام من تصاعد الهجوم الإعلامي الإسرائيلي عليه، وعلى عدد من زملائه.

إعلان

ذكر شهود عيان أن الموقع استُهدف بقصف دقيق، حيث كان أنس متواجدا مع فريق من الصحفيين. وقد أسفر ذلك عن استشهاده وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.

واعتبرت منظمات دولية هذه الجريمة امتدادا لسياسة الاحتلال الرامية إلى إسكات الأصوات التي تنقل الحقيقة من قلب المأساة. إن استهداف الصحفيين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وقتلهم، وقصف أماكن تواجدهم، عمل متعمد يهدف إلى منع تبيان الحقائق، وهو يشكل انتهاكا واضحا وصارخا للقوانين الدولية.

وتلخص جريمة اغتيال الصحفيين كل معاني الاستباحة التي تمارسها قوات الاحتلال في غزة على مرأى من العالم، ودون خشية من أي عقاب، ما يعكس استخفافا غير مسبوق بكل المواثيق والأعراف الدولية التي تؤكد على صون حياة الصحفيين أثناء أداء واجبهم المهني في تغطية الأحداث.

إدانات أممية ومن منظمات حقوقية

أدان مسؤولون أمميون ومنظمات حقوقية معنية بحقوق الصحفيين، اغتيال قوات الاحتلال مراسلي قناة الجزيرة، أنس الشريف ومحمد قريقع، والمصورين إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، وذلك باستهداف خيمة للصحفيين بالقرب من مستشفى الشفاء في مدينة غزة شمالي القطاع.

وتُعد هذه الجريمة الإسرائيلية انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وأعراف وتقاليد العالم، وتأتي في سياق استمرار استهداف قوات الاحتلال الصحفيين في قطاع غزة، الذي يواجه حرب إبادة إسرائيلية منذ نحو عامين.

شكل رحيل أنس الشريف خسارة كبيرة في المشهد الإعلامي الفلسطيني، لكن وصيته الأخيرة، وصورته وهو يحمل الكاميرا بين الأنقاض، ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال كرمز للتضحية والصمود

وأكد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، في مقابلة مع قناة الجزيرة، على ضرورة تمكين العاملين في وسائل الإعلام من أداء عملهم بحرية ودون استهداف، سواء في غزة أو في أي مكان آخر. وأضاف أن الأمم المتحدة تحقق في استهداف فريق الجزيرة شمالي قطاع غزة، مشيرا إلى إدانة الأمم المتحدة الدائمة جميع عمليات قتل الصحفيين.

من جانبه، وصف الأمين العام المساعد للاتحاد الوطني للصحفيين في بريطانيا قتل صحفيي الجزيرة بأنه أمر صادم، معتبرا إياه استهدافا إسرائيليا واضحا لقناة الجزيرة، وشدد على أن قتل الصحفيين يمثل عملا مروعا آخر في الحرب على الصحافة في قطاع غزة.

وفي مقابلة سابقة مع الجزيرة، أدانت المقررة الأممية آيرين خان اغتيال مراسلي الجزيرة، وطالبت بمحاسبة إسرائيل، كما دعت خان الحكومات إلى ربط الإعلان بالاعتراف بدولة فلسطينية بوقف القتل والمجازر في غزة، إذ لا فائدة من الاعتراف بدولة وشعبها يُباد، وحثت الدول الغربية على التدخل لوقف الفتك بالصحفيين.

أما المحامي عبدالمجيد مراري، مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة "أفدي" لحقوق الإنسان، وعضو فريق محامي ضحايا الاحتلال الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية، فوصف اغتيال الصحفي أنس الشريف بأنه جريمة حرب، مطالبا المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة اعتقال ضد المتورطين في اغتياله.

أعرب نادي الصحافة الأميركي عن حزنه العميق لاغتيال مراسل قناة الجزيرة، أنس الشريف، في غزة. ودعا رئيس النادي إلى إجراء تحقيق شامل وشفاف في ملابسات الحادث، مشيرا إلى أن الشريف هو واحد من بين أكثر من مئتي صحفي قُتلوا منذ بداية الحرب. وأشاد رئيس النادي بالصحفي أنس الشريف، واصفا إياه بالمرموق.

إعلان

من جهتها، أعربت لجنة حماية الصحفيين عن صدمتها لمقتل مراسلَي الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع، ومصوريها، على يد القوات الإسرائيلية في غزة. وذكرت اللجنة في بيان أن فريق الجزيرة قُتل في هجوم استهدف خيمة كان يستخدمها الصحفيون في مدينة غزة.

وأفادت مديرة لجنة حماية الصحفيين الإقليمية، سارة القضاة، بأن إسرائيل تتبع نمطا في وصف الصحفيين بالإرهابيين دون تقديم أدلة موثوقة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول نواياها ومدى احترامها لحرية الصحافة. وأشارت القضاة إلى أن الصحفيين مدنيون، ويجب عدم استهدافهم مطلقا، مع ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.

بينما تواصل آلة الحرب حصد الأرواح، يبقى الإخلاص لذكرى الشهداء في مواصلة رسالتهم، كي لا تتحول دماؤهم إلى مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة

تغطية على المجازر

في فلسطين، أدانت نقابة الصحفيين الفلسطينيين بشدة الجريمة البشعة المتمثلة في اغتيال الصحفيَين أنس الشريف ومحمد قريقع.

ومن جهته، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن قتل الاحتلال الإسرائيلي خمسة صحفيين في مدينة غزة، من بينهم الشريف وقريقع، يهدف إلى التغطية على المجازر الوحشية التي ارتكبها الاحتلال، وكذلك التي ينوي ارتكابها، في القطاع.

إدانة شبكة الجزيرة

أدانت شبكة الجزيرة بأشد العبارات اغتيال مراسليها أنس الشريف ومحمد قريقع، والمصورين إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وذكرت الشبكة أن إصدار الأمر بقتل أنس الشريف، أحد أشجع صحفيي غزة، وزملائه، هو محاولة يائسة لإسكات الأصوات تحسبا لتنفيذ مخطط احتلال غزة.

وحمّلت شبكة الجزيرة الإعلامية جيش الاحتلال وحكومته مسؤولية استهداف واغتيال فريقها، بعد أن كرر العديد من مسؤولي جيش الاحتلال الإسرائيلي، والناطقين باسمه، تحريضهم ودعواتهم لاستهداف الصحفي الجسور أنس الشريف ورفاقه.

ناشدت شبكة الجزيرة المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المعنية لاتخاذ إجراءات حاسمة لوقف هذه الإبادة الجماعية المستمرة، ووضع حد للاستهداف المتعمد للصحفيين، وأكدت الشبكة أن الإفلات من العقاب وعدم محاسبة القتلة يشجعان إسرائيل على التمادي في قمع شهود الحقيقة.

وقبل أسابيع، كان الشريف قد وجه نداء إلى جميع منظمات حرية الصحافة وحقوق الإنسان، بسبب التحريض الإسرائيلي الذي تعرض له، وأكد حينها أنه صحفي لا ينتمي لأي جهة سياسية، وأن مهمته الوحيدة هي نقل الحقيقة من أرض الواقع دون تحيز.

وباستشهاد الشريف وزملائه، يرتفع عدد الشهداء الصحفيين في قطاع غزة إلى 238 صحفيا، منذ بداية الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقا للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.

شكل رحيل أنس الشريف خسارة كبيرة في المشهد الإعلامي الفلسطيني، لكن وصيته الأخيرة، وصورته وهو يحمل الكاميرا بين الأنقاض، ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال كرمز للتضحية والصمود.

ففي زمن الحرب تغدو الكلمة والصورة خط دفاع عن الذاكرة، وأداة لمواجهة مساعي الاحتلال لطمس الحقيقة. ورغم أن قصف الاحتلال أنهى حياة أنس، فإن صوته سيظل يصدح في فضاء الإعلام الحر: "من غزة إلى الجنة".

وفي الختام، لا يمثل استشهاد أنس الشريف فاجعة إنسانية فحسب، بل هو توبيخ للمجتمع الدولي الذي يقتصر على بيانات الإدانة، دون اتخاذ إجراءات ملموسة لوقف استهداف الصحفيين.

وبينما تواصل آلة الحرب حصد الأرواح، يبقى الإخلاص لذكرى الشهداء في مواصلة رسالتهم، كي لا تتحول دماؤهم إلى مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان