أهي حادثة انتحار أستاذ جامعي لم يقو على تحمّل الضغوط المسلطة عليه، أم هي جريمة قتل متكاملة الأركان؟ وما هو السبب الحقيقي؟
يُخيّل إلى قارئ رواية "في متاهات الأستاذ ف. ن."، للروائي المغربي عبدالمجيد سباطة، الصادرة عن المركز الثقافي العربي هذا العام، أن العمل سيقدم إجابات كثيرة عن هذا السؤال، وأن أحداث الرواية كلها تحوم حول فك شفرات الصفحات الأولى، التي تبدأ بتحقيقات الضابط "مراد بنصالح" مع أساتذة الجامعة (زملاء الضحية) وبعض الطلبة.
لكن واقع صفحات الرواية يذهب بنا إلى متاهات أخرى، يصعب إيجاد مخرج لها ما لم نواصل قراءة الصفحات بتمعن وتركيز، وقد يحتاج القارئ إلى ورقة وقلم لتثبيت الأحداث والتواريخ والشخصيات كي لا يتيه.
تدور الأحداث الرئيسية "في متاهات الأستاذ ف.ن" حول أستاذ جامعي، يدرّس في جامعة ابن بطوطة بمدينة طنجة، بعد سنوات طويلة طبعها نجاح أكاديمي انطلق من الصفر، ومسار مهني مشرف، ليجد نفسه أمام زوبعة اتهام بمحاولة الاعتداء على باحثة إسبانية، ما زعزع كل أركان الاستقرار التي بنى عليها مجده وسمعته، وأضحى اسمه حديث الساعة في الجامعة ولدى الرأي العام.
من المهم هنا لفت الانتباه إلى المجهود البحثي التاريخي العميق الذي قام به كاتب الرواية؛ وقد اعتمد على مخطوط الأرجوزة الياسمينية بشدة في صياغة الحبكة الروائية، والتدقيق في تواريخ أحداث مهمة
مخطوط الأرجوزة الياسمينية.. شخصية غير مرئية
ولكن مهلا، هل هذا هو الحدث الرئيسي فعلا؟ لا، فصفحات الرواية تعج بأحداث متشابكة ومترابطة، وأبطال وشخصيات من كل حقبة وزمان، لكن البطل الرئيسي لهذه المتاهة المعقدة هو -في اعتقادي- مخطوط تاريخي يعود للقرن الـ13 الميلادي، وأصله مدينة مراكش، خلال عهد الدولة الموحدية، وهو "أرجوزة ابن الياسمين"، للعلامة المغربي عبدالله بن محمد بن حجاج الأرديني، المعروف بابن الياسمين.
من المهم هنا لفت الانتباه إلى المجهود البحثي التاريخي العميق الذي قام به كاتب الرواية؛ وقد اعتمد على هذا البحث بشدة في صياغة الحبكة الروائية، والتدقيق في تواريخ أحداث مهمة.
وفي هذا الشأن، فقد تحكّم عبدالمجيد سباطة في زمن الرواية على مدى الصفحات، لكنه تعمد التلاعب بدينامية هذا الزمن، ما خلق إثارة زمنية جعلت القارئ يسرّع من وتيرة قراءته، ويرتبك، ويتساءل: في أي زمن هو؟
لم يكن مسار المخطوط التاريخي "أرجوزة ابن الياسمين" في الرواية هادئا، بل ربما هو المُحرك، وعبر رحلة هذا المخطوط المثير والسابق لعصره تنكشف أسرار تاريخية مهمة، من رفوف مكتبة العلامة ابن الياسمين، الذي قُتل في مدينة مراكش سنة 1204 ميلادية، إلى رفوف الخزانة الزيدانية، التي تعود لمكتبة السلطان السعدي زيدان الناصر بن أحمد، والتي تعرضت للسرقة من قراصنة إسبان سنة 1612، وكانت تضم مخطوطات وكنوزا معرفية وعلمية وثقافية وتاريخية هائلة ومتقدمة، من بينها مخطوط "الأرجوزة الياسمينية"، أهداها هؤلاء القراصنة للقصر الملكي الإسباني، وتم وضعها في دير الإسكوريال شمال غرب العاصمة مدريد.
كان عنصر المكان حاضرا بقوة في الرواية، ومن يقرأ أعمال سباطة السابقة، فسيكتشف أنها لا تقتصر على مدينة واحدة أو بلد واحد، فيسافر القارئ عبر الصفحات من مكان إلى آخر، ويشكل المكان نقطة قوة إضافية للرواية
تحكم كامل في اللغة والزمن
ستمر عقود وقرون من الزمن على حادثة السرقة الشهيرة والغامضة وقتئذ، وسيبقى المخطوط المغربي وكامل الخزانة الزيدانية تحت سطوة الإسبان، رغم المحاولات المغربية لاستعادتها عبر التفاوض منذ القرن الـ 17، وقد ذُكرت إحدى هذه المحاولات في الرواية، ثم ستأتي الحرب الأهلية الإسبانية التي زعزعت أركان الإسكوريال بأكمله، وهددت كل تلك الكنوز التاريخية بالضياع والإتلاف جراء القصف والقتل والرصاص، وذلك ما كان.
فقد ضاع الكثير، لكن جزءا من "الأرجوزة الياسمينية" سيحتفظ به أحد الجنود المغاربة، الذين ذهبوا للقتال مع الجيش الإسباني المتمرد تحت قيادة فرانكو ضد الجمهوريين، وسيُؤمنه من الضياع طوال فترة حياته، بعدما وقعت عيناه في إحدى المعارك على أرواق مكتوبة بحروف عربية تشبه حروف القرآن الكريم، ظنا منه أنها كذلك، وهو الأمي الذي حرمته الظروف من تعلم القراءة والكتابة.
في الرحلة الزمنية لمخطوط "الأرجوزة الياسمينية"، نجد أن الكاتب وضع نفسه أمام تحدٍّ صعب ومعقد هو اللغة، لغة كل زمن، وأسلوب شخصيات كل حقبة، فلغة القرن الـ13 ليست لغة القرن الـ20 ولا القرن الـ21، وهنا استطاع سباطة ببراعة أن يُثبت تمكّنه اللغوي والتاريخي، وأن تتحدث كل الأصوات وتسرد قصتها بلغة زمنها بدقة وسلاسة.
من جهة أخرى، كان عنصر المكان حاضرا بقوة في الرواية، ومن يقرأ أعمال سباطة السابقة، فسيكتشف أنها لا تقتصر على مدينة واحدة أو بلد واحد، فيسافر القارئ عبر الصفحات من مكان إلى آخر، ويشكل المكان نقطة قوة إضافية للرواية، وقد اختار في "المتاهات" طنجة التي يعرفها جيدا كنقطة مركزية ومنطلق للأحداث، بالإضافة إلى مدريد ومكسيكو ومناطق لم يسمها في تشيلي وأماكن أخرى، مترابطة مع بعضها في النسق الروائي.
هي في الواقع متاهة حضارة إنسانية وبشرية، تعرضت لهزيمة تاريخية مدوية في لحظة مفصلية هي سقوط الأندلس، ليتحول إثرها كل ذلك المجد المعرفي والعلمي والثقافي المتراكم، بعد قرون من الزمن، إلى مادة للمتاجرة والتزوير
مسارات ملتوية للمتاهة
وبالعودة إلى شخصية الأستاذ "ف. ن." (يرد اسمه الكامل في متن الرواية)، فإن صفحات الرواية تكشف النقاب عن هزيمة أخلاقية مدوية، بطلها شخص اختار مسارا ملتويا، تختلط فيه الخيانة بالشرف، والزور بالحقيقة، في تجسيد واضح لسيولة أخلاق إنسان ما بعد الحداثة، فحكم على نفسه بالتالي بكسب أعداء كثر، وهنا تُفتح احتمالات كثيرة حول وفاته الغامضة، ومن يقف وراءها حقيقة.
اللافت أن الكاتب عبدالمجيد سباطة قد عقد خيوط الحبكة أكثر، بكشفه النقاب عن حالة مرضية لـ"ع. ج."، التي تروي جملة أحداث عاشتها، ولها ارتباطها بالأستاذ "ف. ن." والضابط مراد بنصالح الذي حقّق في القضية، دون أن يكون كلامها موضع تأكيد (بحكم تشخيصها مبدئيا باضطراب نفسي)، ما يعني بالتالي ترك باب الاحتمالات مفتوحا بشأن ثلاث نقاط، هي وفاة الأستاذ الجامعي، ثم الأطراف أو الطرف المتسبب في وفاته، ثم في حقيقة هذه الحادثة بأكملها.
هذا ما قد يقودنا بالتالي إلى تأويل مختلف، يرى أن المتاهة الحقيقية في هذه الرواية الممتدة على 591 صفحة أكبر بكثير من متاهات أستاذ جامعي (انتحر، أم قُتل، أم هو مجرد بطل في مشروع رواية ألفها أحد طلابه بشعبة الأدب المقارن والدراسات الثقافية؟)، إذ هي في الواقع متاهة حضارة إنسانية وبشرية، تعرضت لهزيمة تاريخية مدوية في لحظة مفصلية هي سقوط الأندلس، ليتحول إثرها كل ذلك المجد المعرفي والعلمي والثقافي المتراكم، بعد قرون من الزمن، إلى مادة للمتاجرة والتزوير.
المتاهة الحقيقية هي متاهة بلد تحول أبناؤه من صناع للمجد والتاريخ -وبوجود علماء سبقوا عصرهم، وقدم أحدهم "أرجوزة" متفردة في الجبر- إلى جحافل من المهزومين الذين فتكت بهم الهزائم الحضارية المتتالية، وتحول بعضهم إلى مزورين لتاريخهم، باحثين عن مجد زائف وجاه وحظوة اجتماعية ونفوذ سياسي، دون أن يدركوا أن التاريخ لن يرحمهم فور كشف خداعهم وظهور خيانتهم للعلن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

