استشهاد "بيليه فلسطين"!

اللاعب سليمان العبيد
اللاعب الفلسطيني سليمان العبيد (مواقع التواصل)

لم تكن مجرد أحذية رياضية بالية أو القميص رقم (10) متآكلا، يحتفظ بها كتذكار.. كانت تلك الآثار الباقية من سليمان العبيد، المعروف بـ"بيليه فلسطين"، تمثل روح رحلته، وعطر حلم كبير انطفأ بقسوة تحت نيران دبابة إسرائيلية، وهو واقف في طابور للحصول على قوت عائلته في جنوبي غزة، الأربعاء 6 أغسطس/آب 2025، عن عمر لم يتجاوز 41 عاما، قبل عشر سنوات من الموعد الذي كان يأمل فيه اعتزال الملاعب.

وانتهى حلم اللعب حتى الخمسين بشكل مأساوي يليق بفظاعة المشهد في غزة؛ بينما كان سليمان ينتظر دوره -كأي أب فلسطيني شريف- للحصول على مساعدات غذائية لأطفاله الخمسة في جنوبي غزة، سقطت عليه قذيفة دبابة إسرائيلية

وُلد الأسطورة "بيليه فلسطين" في مخيم الشاطئ بغزة… سليمان العبيد، الذي شبهه عشاق الكرة الفلسطينيون بالأسطورة البرازيلية "بيليه" لجدارته الفنية الفذة، وقدرته الهائلة على تسجيل الأهداف، لُقّب بـ"غزال غزة" لرشاقته وأناقته على أرض الملعب.

لم يكن مجرد لاعب كرة قدم؛ كان رمزا للأمل والفرح في سماء غزة التي تكاد تختنق بالحصار والمآسي. بدأ مسيرته مع نادي "خدمات مخيم الشاطئ"، قلب الكرة في غزة، ثم انتقل ليخوض تجربة في الضفة الغربية مع نادي "مركز شباب الأمعري"، قبل أن يعود ليلعب مع نادي غزة الرياضي، محافظا على تألقه رغم كل الصعاب.

ارتدى العبيد قميص المنتخب الفلسطيني بفخر واقتدار! سجل هدفه الدولي الأول أمام اليمن عام 2010، وشارك ببسالة في تصفيات كأس التحدي الآسيوي وتصفيات كأس العالم 2014.

خلال مسيرة حافلة تجاوزت العقدين من الزمن، نجح "الغزال" في تسجيل أكثر من 100 هدف رسمي، ليتوج في نظر الجماهير والمحللين كـ"أعظم لاعب في تاريخ الكرة الفلسطينية".

ما ميزه لم تكن الأرقام فقط، بل روحه المرحة وشغفه المعدي، الذي جعل الملاعب- حتى في أحلك الظروف- مسرحا للبهجة؛ تقول ابنته إيناس: "عشق… عارف يعني إيه عشق؟ كان يعشقها (الكرة)، كان يطلع يجينا آخرة النهار مبسوط… كان يخلينا نفرح فيه".

إعلان

وحتى في خضم الحرب والدمار الذي تشهده غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يتوقف "بيليه فلسطين" عن شغفه، كما تؤكد أرملته دعاء، دامعة العينين: "كان يروح يتمرن، مكانش يوقف ولا يوم… في أزمة الحرب هادي، وفي عز الصواريخ، كان يلملم صحابه وحبايبه ويروح يلعب معهم".

سليمان العبيد -"بيليه فلسطين" و"غزال غزة"- رحل  جسدا، لكن إرثه باقٍ! رحل وهو يحمل حلم طفولة مخيم، وحبا للكرة تحدى الحصار والقصف، وأبوَّة جعلته يقف في طابور الطعام ليطعم أبناءه

وانتهى حلم اللعب حتى الخمسين بشكل مأساوي يليق بفظاعة المشهد في غزة؛ بينما كان سليمان ينتظر دوره -كأي أب فلسطيني شريف- للحصول على مساعدات غذائية لأطفاله الخمسة في جنوبي غزة، سقطت عليه قذيفة دبابة إسرائيلية.. أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم استشهاده في هجوم شنه الجيش الإسرائيلي على مدنيين ينتظرون المساعدات.

تقول أرملته دعاء، وهي تشم قميصه الأخضر رقم (10) لخدمات الشاطئ، وهو التذكار الأخير بعد تدمير منزله في قصف سابق: "هذا من ريحة سليمان الشهيد، من ريحة الغالي، من ريحة البطل اللي راح يجيب أكل لولاده واستشهد… هذا أغلى حاجة ضلت من وراه".

اليوم، تعيش دعاء وأطفالها في خيمة وسط أنقاض حي في غزة، شاهدة على دمار شامل طال المنشآت الرياضية ومئات الرياضيين والمسؤولين الرياضيين، بحسب اتحاد الكرة الفلسطيني.

ولم تمر شهادة العبيد مرور الكرام، أثارت حفيظة النجم العالمي محمد صلاح، الذي انتقد بشدة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) لعدم ذكر سبب وفاة العبيد في نعيه، متسائلا: "هل يمكنكم أن تخبرونا كيف مات وأين ولماذا؟".

لكن جماهير فلسطين، خاصة في مخيم الشاطئ الذي كان مسرحا لأعظم إنجازاته، ترفض أن تكون نهايته العنيدة هي محور ذكراه… يقول الحلاق حسن بلعاوي، أحد مشجعيه: "سليمان حاجة كبيرة عندنا كأبناء مخيم الشاطئ، أطفال المخيم بيزعقوا عليه هنري وبيليه فلسطين، هذا اللاعب يعني غزال، عارف إيش يعني غزال؟ يعني لما كان ينزل الملعب كنا نتمتع فيه، وفلسطين كانت تتمتع فيه".

سيبقى قميصه رقم (10) ورائحته -كما تقول دعاء- شاهدا على بطل صنع من المستحيل ممكنا على أرض الملعب، وسقط شهيدا وهو يؤدي أبسط واجبات الإنسانية: إحضار الطعام لأطفاله

سليمان العبيد -"بيليه فلسطين" و"غزال غزة"- رحل  جسدا، لكن إرثه باقٍ! رحل وهو يحمل حلم طفولة مخيم، وحبا للكرة تحدى الحصار والقصف، وأبوَّة جعلته يقف في طابور الطعام ليطعم أبناءه.

استشهد كمدني أعزل، ضحية لآلة حرب لا ترحم، لكن ذكراه ستظل كتلك الأهداف المبهجة التي سجلها، وكتلك الروح المرحة التي أضاءت الملاعب، وكرمز لإرادة الحياة الفلسطينية التي لا تنكسر.

سيبقى قميصه رقم (10) ورائحته -كما تقول دعاء- شاهدا على بطل صنع من المستحيل ممكنا على أرض الملعب، وسقط شهيدا وهو يؤدي أبسط واجبات الإنسانية: إحضار الطعام لأطفاله.. استشهد "بيليه فلسطين"، لكن أسطورته ستُسجل في سجل الخالدين من أبناء الأرض المقاوِمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان