البطالة والتسريح بين الضرر والضرار!

البطالة في السعودية
الكاتب: لا يمكن تجاهل شقاء البحث عن الوظيفة، فهو مسلسل قديم حديث، وعريض يمتد فيطول (الصحافة السعودية)

على شاطئ الخليج العربي، لم تقذف الأمواج باللؤلؤ والمحار، ولم يُسفر الجزر عن ظهور كنوز السفن التي غرقت في الزمن الغابر في ذلك البحر المترامي وهي تحمل المؤن والبضائع، ولم تُشد قلوع الإبحار من اليابسة للملمة الأزمات المنساقة والمتساقطة في عمق المياه الخليجية، بل إن الإبحار في انتظار هبوب الرياح الموسمية؛ علها تدفع بحراك في قضية تأمين الوظائف، وتقليل خطورة إنهاء الخدمة.

ثمة إشكالات تبرز على السطح.. هبت رياح الأزمات، وثمة علاقة متشابكة ومعقدة بين ما يدور في دول الخليج العربي والعالم الموازي في ضرر وضرار الأزمات، وثمة فهم مستعصٍ في السعي لإيجاد حلول تُشعر مجتمع الدول النفطية بأمان نظير الخزائن الفائضة بأموال أسواق البترول.

لكن ثمة علامات تعجب يضعها شاب ذاق الأمرين؛ مُر البحث عن وظيفة يشد بها عزمه، ومُر يتربص بإنهاء الخدمة -أو ما يعرف بالتسريح القسري- في واقع بات خطيرا، وهو يسعى إلى حالة فيها مستقبل يرفل بشيء من الأمان، يوظف من خلالها مهاراته، ويتوج بها معرفة صُرفت عليها أموال طائلة، منذ مراحل التعليم الابتدائية إلى الجامعية والنضوج التخصصي في تفعيل ذلك المد المعرفي.

أصبح الفرد تائها بين الشطارة والكفاءة وباحثا عن استقرار ذاتي تنهشه قوى متشاكسة تؤمن بنقيضين: أولهما الإمكانات البارزة والذرائع، وثانيهما الأخلاق والقيم والشهادة

وفي ظل تنامي المشروعات الاقتصادية الضخمة، أصبحت دول الخليج العربي -حسبما يشاع- محجا لرؤوس الأموال، والمستقطب الأكبر للمهارات القادمة من خارج المحيط، خاصة عندما نتحدث عن ثورة تقنية يُتطلب مواكبتها، وبشكل أكثر خصوصية تلك التي خرجت من نهر "الجانج"، والتي ورثت هذا الحق، فاستوطنت الدور وأحكمت القبضة؛ بحكم أنها تعرف كل شيء وأي شيء.

لا يمكن تجاهل شقاء البحث عن الوظيفة، فهو مسلسل قديم حديث، وعريض يمتد فيطول، بل إن خيط التمسك به بات رفيعا عند حدوث المعجزة، لأن فقدانه قصير جدا، لا يقارَن بطول أمد الحصول عليه، خاصة مع واقع اقتصادي ينهض بقوة في دول محددة، ويتعثر في دول أخرى بحكم أن أزمّة الأمور تُقاد بطرق وآليات مختلفة، وباتفاقات مستغربة ومستهجنة.

إعلان

لذلك، ومع الفهم المطلق بأن قضية البحث عن العمل بوقعها الاصطلاحي هي قضية عالمية ومعاناة كبيرة، فإن جرها من مصطلح "البطالة" إلى "البحث عن الفرصة" يضع لها محدودية في خطورتها، ويقلل من ثوران الحاجة في عالم لا يقوم إلا على المال المفضي إلى الاسترخاء في فكر من يتملكونه ويسيطرون عليه.

بصيغة السؤال البريء الذي يتسلل مع عمق المشكلتين؛ مشكلة البحث عن العمل (البطالة)، ومشكلة إنهاء الخدمة (التسريح): أظاهرة الفقر في المجتمعات الخليجية ظاهرة حقيقية ومرتبطة مباشرة بالبطالة، أم إن حالاتها تتحول إلى ذرائعية تخدم الوصولية النفعية، ليكون الرياء والنفاق جسر الوصول إلى الوظيفة والبقاء في سدتها؟

ومهما كانت الإجابة بسيطة عند من يبحث عن الحاجة، فإن التكدس المهول في الكفاءات بعد رحلة التعلم بات ظاهرة خطيرة، وجب الوقوف عليها ووضعها على محك البقاء من باب الأهمية، ولسد نافذة التهم التي توجه للمواطن الخليجي بأنه لا يحب مشقة العمل، وإنما يبحث عن السهل الممتنع الذي يُدر عليه أموالا تمنحه رفاهية مطلقة، وتبرد لهيب صيف حارق طويل، وتختصر مدة انتظار غابت معها الهوية، وتلك هي عقدة التسويف التي لعب عليها مالك المال.

إذًا، هي عقدة الوظيفة وهي عقدة المهارة، وكلتاهما متشابكتان إلى حد التماثل، لذلك أصبح الفرد تائها بين الشطارة والكفاءة وباحثا عن استقرار ذاتي تنهشه قوى متشاكسة تؤمن بنقيضين: أولهما الإمكانات البارزة والذرائع، وثانيهما الأخلاق والقيم والشهادة، مما كان له الأثر في تأخر أو تباطؤ تكوين الشخصية الاعتبارية التي تنتهج التغيير، وتحويل أزمة البحث عن العمل وأزمة إنهاء الخدمة إلى فرص متحققة في خدمة المجتمع، شريطة التأسيس بدعم مغرٍ وإجراءات بسيطة لا معقدة.

التأثير المباشر يتجلى في سوق العمل الخليجي، فالكل يلمس تفاوت الأجور، واندفاع المستثمر لإيجاد بديل عن المهارة المحلية تحت ذات الإطار، إلى جانب طغيان هشاشة العقود ومخاطر السمعة والحوكمة

هل القطاع الخاص هو المنقذ؟

بصيغة أوضح وبصراحة أكبر: من يدير من؟ وهل طوق الإنقاذ يتمثل في سترة النجاة (القطاع الخاص)؟ وهل النمو الاقتصادي مرهون بهذا القطاع؟ وهل الكثافة السكانية الحالية كافية لتسريع عجلة الاقتصاد؟

تلك أسئلة تبحث عن إجابات واقعية لا نظرية، دون اتخاذها شعارات تؤجل التطبيق الحقيقي، فالمواطن الخليجي يرى أن القطاع الخاص ملزم باستيعاب الباحثين عن عمل، والمنهَية خدماتهم بشكل قسري في آن واحد. وأصحاب الأموال المشكلون لمنظومة القطاع الخاص لا يرون أن ذلك هو عزفهم الذي يروق لهم. في المقابل، لم تستطع الحكومات أن تدفع بالعصا والجزرة، بل أصبحت الهوة شاسعة لتحقيق تكامل منزوع الدسم.

تعتمد المفارقة هنا في فرض الواقع على المصلحة الفردية والمصالح المزدوجة بين هيكلين؛ هيكل نظامي حكومي يدير ويشرع على خجل، وهيكل خاص جدا، يبحث عن التحرر من القيود، والانسلاخ من التبعية وربقة الوصايا، مما جعل المشكلتين تتأزمان والعلاج يتأخر.

فالعلاج توقف عند إجراء العملية للمريض، لكنه لم يصل إلى نجاحها وضمان الشفاء، بينما الجدل يحتدم هناك في المؤتمرات والندوات السنوية، والقراطيس التشخيصية تزداد، والأعداد تتكدس، والأماني تتوقف عند شطآن من هو المعني بتلك الإشكالات؛ الحكومات أم أصحاب الأموال الذين يبحثون عن استدامة مالية ودوران مالي بربح سريع؟

إعلان

والسؤال هنا: أيوجد حقا لوبيات هناك وهنا، أم هي شبكات توريد منظمة ووكالات توظيف مرخصة؟

اللجوء إلى سد الذرائع لا يمكن أن يكون حلا، ولم تكن فكرة الأمان الوظيفي الذي يمنح إعانة مؤقتة للمنهية خدماتهم قسرا في أي يوم حلا، بل هي مسكن مؤقت يجب عدم التعلق به

يظل مصطلح "اللوبي" هو الأكثر استخداما في المجتمعات الخليجية، وبغض النظر عما إن كان محلي الصنع أم مستوردا أم وليد الصدف والأزمات، فهناك من يقول إن قوة القبضة لا يمكن أن توجد من العدم، بل هي وليدة إرهاصات ومواقف ومتطلبات واتفاقات وتنازلات، وبالتالي فإن تلك الشبكات ليست ضغطا سياسيا مباشرا على سلطة القرار، بقدر ما هي بنية مؤسسية توازن بين سد متطلبات التقدم السريع والتطور المتعاظم، وبين مشروعية الحفاظ على المال الخاص وحرية استثماره.

إن التأثير المباشر يتجلى في سوق العمل الخليجي، فالكل يلمس تفاوت الأجور، واندفاع المستثمر لإيجاد بديل عن المهارة المحلية تحت ذات الإطار، إلى جانب طغيان هشاشة العقود ومخاطر السمعة والامتثال والحوكمة، وضعف الحراك المهني، مع التسليم بفجوة عميقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل الفعلية.

إن اللجوء إلى سد الذرائع لا يمكن أن يكون حلا، ولم تكن فكرة الأمان الوظيفي الذي يمنح إعانة مؤقتة للمنهية خدماتهم قسرا في أي يوم حلا، بل هي مسكن مؤقت يجب عدم التعلق به.

كما أن إيجاد وظائف مؤقتة بأجور متدنية لا يدفع إلى الاستقرار وتحقيق كثافة سكانية، وإطالة أمد المماطلة بحلول ترقيعية تزيد الطين بلة، والأكثر تضررا هو شاب أراد أن يفي بوعده لوطنه، لكنه وقع بين مطرقة البطالة وسندان التسريح!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان