قال رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية السابق، أهارون هاليفا، كلاما يجب أن يهز ضمير كل إنسان في هذا العالم؛ فقد صرح بوضوح أن "وجود خمسين ألف قتيل في غزة أمر ضروري من أجل الأجيال القادمة".
وبحسب منطقه الدموي، فإنه "مقابل كل إسرائيلي قُتل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول يجب أن يُقتل خمسون فلسطينيا"، بغض النظر عما إن كانوا أطفالا أو نساء أو شيوخا أو مدنيين أبرياء.
وأضاف: "أنا لا أقول ذلك بدافع انتقام، وإنما كرسالة للأجيال القادمة.. الفلسطينيون بحاجة من حين لآخر إلى نكبة جديدة ليشعروا بالثمن".
هذه ليست كلمات مجنون من الهامش، ولا خطاب متطرف عابر، هذا صوت رجل كان لسنوات يقود الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، رجل من قلب النظام السياسي والعسكري الصهيوني. كلماته تكشف جوهر المشروع: منطق الاحتلال، وأيديولوجيا الكراهية، التي تغذي قادة إسرائيل وجنرالاتها جيلا بعد جيل.
لغة الإبادة كسياسة دولة
كلام هاليفا ليس زلة لسان، إنه صدى لرواية كاملة تتبناها النخبة الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث لم تعد تخفي أن حربها ليست ضد "حماس" كما تزعم، بل ضد الشعب الفلسطيني كله.
أعداد الشهداء، تدمير المدارس والمستشفيات ومخيمات اللاجئين، هذه ليست "أخطاء" كما تروج بعض وسائل الإعلام الغربية، إنها تنفيذ لخطة.. خطة "نكبة جديدة"، هدفها كسر الشعب الفلسطيني وإخضاعه أو تهجيره.
هاليفا يقول بوضوح: القضية ليست عدلا ولا دفاعا ولا انتقاما، بل "رسالة للأجيال القادمة"! أي أن يربى الطفل الفلسطيني على الخوف والدمار، وأن يقال له: أي محاولة مقاومة ستقابل بمجزرة. إنها عقيدة إرهاب دولة.
الصهاينة -الذين كان يفترض أن يعلموا العالم معنى "الذاكرة"- أصبحوا النازيين الجدد.. ليست مبالغة، بل استنتاجا من أقوالهم وأفعالهم
الصهيونية.. أيديولوجيا التطهير العرقي
منذ ولادتها، لم تكن الصهيونية مشروعا للتحرر كما يدعون، بل مشروعا استعماريا قائما على اقتلاع الآخر. منذ 1948، عام النكبة الأولى، حين طرد مئات الآلاف من ديارهم، حتى اليوم، القاعدة لم تتغير: الفلسطيني لا يملك الحق في أن يعيش حرا على أرضه.
الصهيونية، التي تتاجر بالمحرقة وتقدم نفسها ضحية أبدية، صارت هي نفسها أيديولوجيا إبادة.. حولت شعار "لن يتكرر أبدا" إلى ممارسة: "لن يتكرر ضدنا، لكن يمكن أن نمارسه نحن ضد الآخرين".
إسرائيل تبني مشروعها السياسي على ذاكرة المحرقة، تستغلها لتبرير كل جريمة، ولحماية نفسها من أي مساءلة دولية. وحين ينتقدها العالم على مجازر غزة، يأتي الرد: "نحن كنا ضحايا، ولا يحق لأحد أن يعلمنا"! لكن الواقع يقول شيئا آخر: إسرائيل تمارس اليوم محرقة جديدة، هذه المرة ضد الفلسطينيين.
المخيمات المحاصرة حلت محل معسكرات الاعتقال، والقنابل والدبابات حلت محل غرف الغاز، والحصار الشامل حل محل الترحيل.. كل هذا يحدث أمام أعين العالم، الذي يكتفي بالكلام، بينما تستمر المذبحة.
لهذا تبدو صادقة الكلماتُ التي تقول: الفلسطينيون اليوم هم في موضع يهود الأمس؛ يعيشون الدور الذي فُرض على اليهود في أوروبا القرن العشرين: دور المضطهدين والمطارَدين والمقتلَعين من أرضهم.. أطفالهم يُقتلون تحت الأنقاض كما قُتل أطفال اليهود في الغيتوهات، نساؤهم يندبن أبناءهن كما ندبت الأمهات في أوشفيتز وتريبلينكا.
أما الصهاينة -الذين كان يفترض أن يعلموا العالم معنى "الذاكرة"- فقد أصبحوا النازيين الجدد.. ليست مبالغة، بل استنتاجا من أقوالهم وأفعالهم.
هاليفا يقول إن الفلسطينيين "بحاجة إلى نكبة جديدة"، لكن الحقيقة أن الصهاينة هم الذين يحتاجونها كي يواصلوا مشروعهم القائم على الدم والاقتلاع
صمت العالم هو شراكة في الجريمة
هذه ليست مشكلة "إسرائيلية" فقط؛ صمت الحكومات الغربية، ونفاقها، وتسليحها لإسرائيل، يجعلها شريكة في الجريمة. الولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، كل هذه الدول تحمي تل أبيب، وتزودها بالسلاح، وتغطيها في مجلس الأمن.
في عام 1945 أقسم العالم: "لن يتكرر أبدا"، لكننا في 2025 نرى الوعد يداس في غزة والضفة الغربية.. العالم يرى، ويصمت.
نكبة جديدة.. لمن؟
هاليفا يقول إن الفلسطينيين "بحاجة إلى نكبة جديدة"، لكن الحقيقة أن الصهاينة هم الذين يحتاجونها كي يواصلوا مشروعهم القائم على الدم والاقتلاع، هم الذين يحتاجون إلى التذكير الدائم بأن مشروعهم لا يعيش إلا على المجازر.
لكن التاريخ يعلم أن المشاريع المبنية على الجريمة لا تدوم؛ كما سقط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكما انهار جدار برلين، سيسقط نظام الاحتلال الصهيوني.. لا يمكن أن يُسجن شعب إلى الأبد.
كل طفل ينجو من هذه الحرب سيحمل الذاكرة، هذه الذاكرة لن تتحول إلى كراهية، بل إلى وقود للحرية
قوة الصمود والحق
العالم اليوم يرى حقيقة الصهاينة، يرى أقوالهم وأفعالهم، يرى قنابلهم ونفاقهم، يرى أنهم ليسوا ضحايا كما يدعون، بل جلادين. أما الفلسطينيون -رغم الدم والدمار- فيثبتون! إن صمودهم دليل على أن "نكبة جديدة" لن تكسر روحهم.
كل طفل ينجو من هذه الحرب سيحمل الذاكرة، هذه الذاكرة لن تتحول إلى كراهية، بل إلى وقود للحرية؛ فالتاريخ يقول: الشعوب التي تناضل من أجل الحرية تنتصر دائما.
كلمات أهارون هاليفا برهان أن سياسة إسرائيل ليست "دفاعا عن النفس" كما تروج، بل سياسة إبادة جماعية متعمدة.. هي استمرار للنكبة، استمرار للتطهير العرقي، استمرار لتحريف شعار "لن يتكرر أبدا".
اليوم، يجب أن يفهم العالم الحقيقة البسيطة: الفلسطينيون اليوم هم في موضع يهود الأمس، والصهاينة اليوم هم نازيو الأمس. وإذا لم يوقف العالم هذه الجريمة الآن، فإنه سيكون شريكا في الهولوكوست الجديدة.. هذه المرة بحق الفلسطينيين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

