"أولئك الذين لا يعرفون كيف يحاربون القلق، يموتون في سن صغيرة " [د. إليكيس كاريل].
يُعرف القلق بأنه الاضطراب والانزعاج وعدم الاستقرار النفسي، الذي يصاحبه إحساس بالضيق والحرج، نتيجة شعور الفرد بوجود خطر يتهدده.
والشعور بالقلق استجابة طبيعية عندما نواجه وضعا فيه تهديد أو توتر، ولكن عندما تستمر هذه المشاعر القلقة أو تبقى من دون مبرر، عندئذ تتحول إلى مشكلة أكثر خطورة.
يشعر الشخص المصاب بـ"اضطراب القلق" بقلق مبالغ فيه ولا يمكن السيطرة عليه، مما يصعب عليه التعامل مع الأنشطة والضغوط اليومية. ويعتبر القلق رد فعل طبيعي ينشأ من الضغط، وهو قد يساعد أي شخص على التعامل مع الأوضاع الصعبة. ولكن عندما يصبح مفرطا، فإنه يندرج تحت تصنيف اضطرابات القلق.
التوتر في الأساس هو عدم ارتياح، وقلق وخوف، وهذا يُلحق بنا ضررا كبيرا، وقد يصيبنا بالمرض، ويفسد علينا الأوقات التي ينبغي أن نستمتع بها، ويتغذى على صحتنا الجسدية والعقلية
جميعنا نشعر بالقلق والتوتر من الأحداث الكبرى، مثل الاختبارات، والزواج، وبدء وظيفة جديدة، وتربية الأبناء… لكن البعض يقلق حيال الأمور اليومية، وهذا القلق من شأنه أن يصعب الاسترخاء والنوم الجيد والطعام والاستمتاع بالحياة.
وهناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تقودنا إلى التوتر، كصدمة كبيرة متمثلة في فقدان شخص عزيز، وربما يعود الأمر ببساطة إلى أننا نصبو إلى الكمال، فيضحي القلق أسلوبا للحياة.
وعندما يتصاعد التوتر خارجا عن السيطرة، يمكن أن يتحول إلى نوبات هلع ورهاب، وحالات مثل اضطراب الوسواس القهري.. يعمي القلق أبصارنا، ويجعلنا نحلق وسط ضباب كثيف.
وليس ثمة شك في أن دوام الشعور بالتوتر يضر بثقتنا، فالمستويات العالية من التوتر تسير جنبا إلى جنب مع سوء تقدير الذات ونقص الثقة، ولن ترتفع مستويات ثقتك سوى بالحد من توترك!
يقول إبراهيم الفقي: "حين تقضي وقتك في القلق، فأنت فعليا تستعمل مخيلتك في صنع أشياء لا تريدها"… القلق ليس سوى مستقبل متخيل، واحتمالات تحققه ضئيلة للغاية، ويمكنه أن يؤثر تأثيرا كبيرا، ويفسد علينا اللحظات الجميلة.
يُعرف القلق أيضا بأنه الشعور بالعجز في الحاضر، نتيجة توقع أشياء قد تحدث وقد لا تحدث في المستقبل.. يقول توماس كارلايل: "إننا لا يصح أن ننشغل بما يقع بعيدا عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل".
في بعض الأحيان يمكن أن تشبه عقولنا ازدحاما مروريا لأفكار مفرطة النشاط، تخص المواقف والأشخاص والأماكن والأشياء التي يجب فعلها، والهموم والمشاغل والمخاوف، كما أن أفعالنا واختياراتنا وصحبتنا، والمعلومات التي نشاهدها ونقرؤها، تسهم أيضا في الأشياء التي نفكر فيها، والتوتر الذي نختبره حينذاك.
الحقيقة أن التعامل مع التوتر أبسط مما قد تظن! الأمر كله يعتمد على أفكارنا وأفعالنا اليومية، ويبدأ حين نصبح أكثر إدراكا لذواتنا. الفارق الأساسي بين التفكير الجيد والتفكير الخاطئ أن التفكير الجيد يتعامل مع الأسباب والمؤثرات، ويؤدي إلى التخطيط المنطقي والبناء، بينما يؤدي التفكير السيئ عادة إلى التوتر والقلق.
القلق جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، لكن إلى أي مدى تُعد هذه المشاعر سيئة؟
عند التعرض لأمر يحفز التوتر فإن الجسم يقوم بردة فعل تحذيرية، ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية وهي المقاومة، وإذا ما استمر المحفز قد يؤدي ذلك إلى المرحلة الثالثة، وهي "متلازمة الإرهاق"؛ فعندما يستمر التوتر بلا انقطاع، ويتجاوز قدرة آليات التكيف في الجسم، تبدأ بالكف عن أداء وظائفها فتصل إلى مرحلة الإرهاق الكظري، ما يُضعف دفاعات الجسم بصورة كبيرة جدا، لدرجة لا يستطيع معها مواجهة تأثيرات التوتر، ويتم قمع الجهاز المناعي، فتبدأ أعضاء الجسم بإظهار أعراض مرضية بسبب التعرض الطويل لهرمونات التوتر.
فالتوتر في الأساس هو عدم ارتياح، وقلق وخوف، وهذا يُلحق بنا ضررا كبيرا، وقد يصيبنا بالمرض، ويفسد علينا الأوقات التي ينبغي أن نستمتع بها، ويتغذى على صحتنا الجسدية والعقلية.
"يقضي الناس معظم أوقات حياتهم يأكلهم القلق على أمور لن تحدث" [فرانكلين].. هذا لا يعني أن على المرء ألا يفكر ويخطط للغد، بل يجب عليه أن ينحي القلق جانبا.
ابدأ في تغيير نظرتك إلى لحظات حاضرك، وانظر إليها باعتبارها أوقاتا ينبغي أن تعيشها، بدلا من أن تستغرق في الانشغال بالمستقبل
وصفة سحرية للتغلب على المواقف المقلقة
يقدم لنا السيد ويليس كاريير وصفته السحرية، والتي اتبعها لأكثر من ثلاثين عاما، وهي طريقة بسيطة يمكن لأي شخص الاستفادة منها، وتتكون من ثلاث خطوات.
- الخطوة الأولى: اسأل نفسك: "ما أسوأ شيء يمكن أن يحدث إذا لم أتمكن من علاج هذه المشكلة؟".
- الخطوة الثانية: قم بإعداد نفسك لتقبُل أسوأ العواقب، عند الضرورة.
- الخطوة الثالثة: حاول بهدوء تحسين صورة أسوأ هذه العواقب التي تقبلتها بالفعل.
بعض الإستراتيجيات للتخلص من القلق
ابدأ في تغيير نظرتك إلى لحظات حاضرك، وانظر إليها باعتبارها أوقاتا ينبغي أن تعيشها، بدلا من أن تستغرق في الانشغال بالمستقبل.
- الرياضة اليومية: يحسن النشاط البدني من وظائف الجسم والدماغ.
- تعلم تقنية التنفس: تستطيع تقنيات التنفس مساعدتك في استعادة السيطرة على تنفسك كلما شعرت بالقلق.
- استمتع بالبساطة: إن الكثير من القلق الذي نواجهه في الحياة يكون نتيجة الشروط المفروضة في المجتمع، التي يجب علينا أن نتقيد بها.
- تحدَ أفكارك: إذا كنت تعاني من القلق، فقد تجد أنك تقفز بانتظام إلى الاستنتاجات الخاطئة.
إن لحظة الحاضر هي أساس فهمك لشعورك بالذنب، ولشعورك بالقلق، وما يترتب عليهما من سلوكيات. عليك أن تتعلم كيف تعيش حاضرك، وألا تُضيع لحظات هذا الحاضر في خواطر تتعلق بالماضي والمستقبل، وتصيبك بالعجز والجمود
وأخيرا..
قد يكون السؤال عن كيفية جعل القلق يختفي واحدا من أكثر الأسئلة التي تُطرح على الأخصائيين؛ وهذا أمر منطقي. ففي أحسن الأحوال، القلق ليس شعورا مريحا، وهو شعور طاغٍ في أسوأ الحالات. عندما نحس قلقا يبذل جسدنا جهدا كبيرا فيستنفد ذلك قوتنا.
"القلق مضيعة للوقت، وكل ما يفعله هو سرقة البهجة من حياتنا، وإبقاؤنا مشغولين للغاية بفعل اللاشيء"… وهو يتألف من الأفكار التي نسمح بتدفقها عبر عقولنا.
إن لحظة الحاضر هي أساس فهمك لشعورك بالذنب، ولشعورك بالقلق، وما يترتب عليهما من سلوكيات. عليك أن تتعلم كيف تعيش حاضرك، وألا تُضيع لحظات هذا الحاضر في خواطر تتعلق بالماضي والمستقبل، وتصيبك بالعجز والجمود.
ليس بوسعك أن تحيا أي لحظة أخرى سوى لحظة الحاضر، ولكن بدلا من أن تدرك ذلك، تقوم بتضييع ذلك الحاضر في مشاعر الذنب والقلق التي لا جدوى منها.
"إذا أردت التوقف عن القلق والبدء بالحياة، إليك هذه القاعدة: عدد نعمك وليس متاعبك" [ديل كارنيجي].
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
