في بلاد الثلج والضرائب.. كيف يتحول حلم الهجرة إلى كابوس يومي؟

كثيرون غادروا كندا بعد أن تبين لهم البون الشاسع بين الحلم الكندي كما تروجه وكالات الهجرة والواقع الفعلي لحياة المهاجرين (شترستوك)

كندا، البلد الذي طالما ارتبط في أذهان كثيرين بالفرص والحياة الكريمة، يكتشف كثيرون منهم بعد الوصول أن الواقع مختلف تماما! بعيدا عن الصور المثالية، تتكشف أمام الوافدين جملة من التحديات الصعبة: من برد قارس لا يرحم، إلى ضرائب تثقل كاهل الناس، وغلاء في الأسعار، بالإضافة إلى بطء الإجراءات، وتراكم المشاكل.. ما يحوّل حلم الهجرة إلى كابوس يومي يختبر صبر الجميع.

في هذا المقال، نكشف معا الحقيقة وراء هذا الحلم، ونرسم صورة واقعية لمن قرروا البحث عن مستقبل جديد في كندا.

الإيجارات في كندا، خاصة في مدن مثل تورونتو وفانكوفر ومونتريال، باتت أقرب إلى أزمة حقيقية؛ شقة صغيرة في حي متوسط قد تكلف أكثر من ألفَي دولار شهريا

لطالما كانت كندا في وعي بعض المجتمعات مرادفة للفرص، والحياة الكريمة، والعدالة الاجتماعية، لا تكاد تخلو صفحات مواقع الهجرة أو حسابات "المؤثرين" من عبارات مثل: "ابدأ حياة جديدة"، "اضمن مستقبل أولادك"، "الرعاية الصحية مجانية، والتعليم ممتاز".

لكن خلف هذه العبارات البراقة، تختبئ حقيقة لا تقال غالبا: إن الهجرة إلى كندا ليست خلاصا سحريا، بل عبورا إلى حياة مليئة بالصراعات اليومية، النفسية والاقتصادية والاجتماعية.

حين تطأ أقدام المهاجر أرض كندا لأول مرة، غالبا ما يلفه إحساس بالإنجاز والأمل، لكن بعد أسابيع قليلة، تبدأ الصورة المثالية في التآكل؛ أول ما يصدمه هو الغلاء المعيشي الخانق: المواد الغذائية، المواصلات، خدمات الإنترنت، التدفئة.. كلها باهظة الثمن! ثم لا يلبث أن يكتشف أن الراتب، الذي بدا واعدا على الورق، بالكاد يكفي لسد الحاجات الأساسية.

الضرائب المرتفعة تقضم ما يصل إلى 30% أو 35% من الدخل، والمفارقة أن المهاجر لا يشعر دائما بأن الخدمات العامة تعكس حجم ما يدفع لها.

المستشفيات، رغم كونها مجانية، تعاني من طوابير انتظار طويلة، وقد يضطر المريض إلى الانتظار شهورا قبل رؤية اختصاصي! والتعليم متاح، نعم، لكنه ليس مثاليا، خاصة في المدارس الحكومية المكتظة في المدن الكبرى.

إعلان

الإيجارات في كندا، خاصة في مدن مثل تورونتو وفانكوفر ومونتريال، باتت أقرب إلى أزمة حقيقية؛ شقة صغيرة في حي متوسط قد تكلف أكثر من ألفَي دولار شهريا.

وفي ظل شح المعروض العقاري وارتفاع الطلب، يلجأ كثير من المهاجرين إلى تقاسم السكن، أو الانتقال إلى ضواحٍ بعيدة، ما يعني ساعات طويلة في المواصلات يوميا.

هناك فنانون مشهورون في بلدانهم، وصحفيون كبار، لم يجدوا بُدا من العمل في وظائف لا تناسبهم، ونحن لا نقلل من شأن الوظائف الشريفة، ولكنها لا تعبر عن كفاءاتهم، وطموحهم الذي هاجروا من أجله

من بين المفاجآت، التي تصدم المهاجر الجديد، ارتفاع أسعار الخدمات المهنية؛ محامو الهجرة غالبا ما يفرضون أتعابا باهظة، لا تتناسب أحيانا مع مستوى الخدمات المقدمة، خاصة في ظل البيروقراطية الطويلة التي لا تتوقف، مما يجعل المهاجرين يشعرون بأنهم بين مطرقة الأمل وسندان الجشع.

أما أطباء الأسنان، فأسعار الفحوصات والعلاجات عندهم مرتفعة بشكل غير منطقي، ولا تشملها معظم خطط التأمين، وكثيرون يؤجلون علاجها حتى العودة إلى بلدانهم، أو السفر إلى بلد آخر؛ هروبا من تكاليفها المرعبة. وفي ورش تصليح السيارات، يعاني المهاجر من نفقات إصلاح مرتفعة وجشع في الأسعار.

لا يخلو الحديث عن كندا من ذكر واقع البنية التحتية، التي تعاني في بعض المدن- خصوصا مونتريال على سبيل المثال- من اهتراء واضح في شوارعها، حيث تنتشر الحفر والشقوق، وتتعطل حركة السير في فترات الشتاء؛ بسبب تراكم الثلوج وتأخر صيانتها. هذه الحالة تترك انطباعا مغايرا للصورة المتوقعة عن مدن نظيفة ومنظمة.

كثير من المهاجرين يأتون بشهادات عليا وخبرات طويلة، لكنهم يفاجَؤون بأن سوق العمل الكندي لا يعترف بهذه الخبرات بسهولة.. المقابلات تنتهي غالبا بجملة: "تفتقر للخبرة الكندية"؛ وبهذا قد يعمل الطبيب سائقا، والمهندس موظفا في مستودع، والمعلمة عاملة تنظيف، في انتظار أن تُعاد معادلة شهاداتهم، وهي عملية مرهقة ومكلفة، وتستغرق سنوات.

وأنا شخصيا أعرف جراحا يعمل حارس أمن، وطبيب قلب يعمل في مصنع! وهناك فنانون مشهورون في بلدانهم، وصحفيون كبار، لم يجدوا بُدا من العمل في وظائف لا تناسبهم، ونحن لا نقلل من شأن هذه الوظائف الشريفة، ولكنها لا تعبر عن كفاءاتهم، وطموحهم العلمي الذي هاجروا من أجله.

الضغوط الاقتصادية والاغتراب الثقافي ينعكسان سلبا على الحياة الأسرية؛ الآباء يعملون لساعات طويلة، والأبناء يندمجون بسرعة في مجتمع جديد بثقافة مختلفة، ما يولد فجوة بين الأجيال

وبين ضغط المعيشة، وتكاليف المعادلات، والبيروقراطية المعقدة، يفقد كثيرون الثقة بأن النجاح في كندا "مسألة وقت فقط".

لا تذكر كندا دون ذكر شتائها الطويل والقاسي؛ درجات حرارة تصل غالبا إلى ما دون 30 درجة تحت الصفر في بعض المقاطعات، مع ثلوج كثيفة، وليل يمتد إلى أكثر من 16 ساعة في اليوم.

هذا الشتاء القاسي يلقي بظلال ثقيلة على نفسية المهاجر، كثيرون يعانون من اكتئاب موسمي، خاصة في السنة الأولى، حين يكون الانعزال الاجتماعي أكثر حدة، واللغة حاجزا، والدفء العائلي مفقودا.

إعلان

الحصول على الإقامة الدائمة، الجنسية، رخصة القيادة، أو حتى تجديد البطاقة الصحية.. كلها إجراءات تتسم بالبطء والتعقيد. مكاتب الهجرة والدوائر الحكومية مثقلة بالطلبات، والمواعيد قد تمتد لأشهر، وفي كل خطوة يحتاج المهاجر إلى إثبات جديد، وورقة جديدة، وانتظار جديد.

الضغوط الاقتصادية والاغتراب الثقافي ينعكسان سلبا على الحياة الأسرية؛ الآباء يعملون لساعات طويلة، والأبناء يندمجون بسرعة في مجتمع جديد بثقافة مختلفة، ما يولد فجوة بين الأجيال، وتجد أسر كثيرة نفسها أمام صراعات تربوية، بين الحفاظ على الهوية، وبين التكيف مع ثقافة كندا العلمانية والمنفتحة.

ومع ذلك، لا يمكن أن نكون غير عادلين أو متشائمين بشكل مطلق، فكندا بلد يحترم القانون، ويوفر فرصا حقيقية لمن يصبر ويجتهد، نظامها الصحي مجاني بالمجمل، التعليم العام جيد، والأمان الشخصي من أعلى المعدلات في العالم، كما أن التنوع الثقافي هناك يتيح للمهاجرين فرصة للاندماج مع الحفاظ على هويتهم.

هي ليست جنة كما يتوهم كثيرون، لكنها فرصة لمن يعرف كيف يتعامل مع تحدياتها، ويتسلح بالصبر والواقعية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان