"يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهد وقوة لأكون سندا وصوتا لأبناء شعبي، وأني لم أتوانَ يوما عن نقل الحقيقة بلا تزوير أو تحريف"… هذا آخر ما ترك أنس الشريف من كلمات للعالم الذي سكت يوم أن تكلم أنس، والتفت حين نبه أنس، ووضع أصابعه في أذنيه حين صرخ أنس!
نحن شهود الله في الأرض، ونشهد أن أنس الشريف ومحمد قريقع وزملاءهما من المصورين و"المونتيرية" وفنيي البث لم يقصروا يوما، وكابدوا المشاق من أجل نقل الحقيقة، رغم معايشتهم الألم والفقد بشكل متكرر، ورغم الجوع والعطش والتهديدات، والحالة النفسية التي لا يطيقها بشر عادي؛ ففي كل يوم شهيد بقصف، أو شهيد برصاص من أوكل إليهم توزيع الطعام، أو فقيد قتله الجوع لما لم يستطع أن يصل إلى مصيدة الموت في كمائن توزيع المساعدات، أو مصاب لا يجد ما يتداوى به.
كان لزاما على الاحتلال أن يُسكت هذه الأصوات، ويطفئ هذه الشمعات، فالفظائع التي تُرتكب يجب أن تُغطى وتُستر، وهذه الأصوات المناضلة المنافحة تعرّي تستُّر هذا الاحتلال المجرم
في شمالي غزة، وقت أن اضطر كثيرون أن يخرجوا بفعل القصف العنيف جوا وبرا وبحرا، قرر الأبطال أن يبقوا، ولم يخرجوا، لكي يكونوا عيونا للعالم في هذه البقعة التي يريد لها الاحتلال أن تظلم، يريد لها ألا تنطق، لتتم الجريمة من غير شهود، من غير دليل، من غير إدانة.
ورغم أن قواعد السلامة المهنية الصحفية والأمن الشخصي في مناطق النزاع تقتضي أن يحافظ المراسل أو الصحفي على أمنه الشخصي، وأن يقدمه على التغطية الكاملة للحوادث، كان الشريف لا يلتفت لذلك، كان يريد الحقيقة ولو دفع لها الثمن، ولو كان الموت أقرب من النفس.
في زمن غلب فيه الصمت على الضمير، وتحول الإعلام عند البعض إلى بوق يجمّل القبح، ويمسح دماء الضحايا من على الجدران، بقي أنس الشريف ومحمد قريقع شاهدَين على الجريمة، ومقاومَين بالحق أمام رياح التزوير والتضليل والتلفيق؛ فالصحفي الحق ليس موظفا يؤدي دورا عابرا، بل هو مقاتل في معركة الوعي، يقتحم النيران بحثا عن كلمة تضيء درب المظلومين، فكان الرجلان وزملاؤهما أصوات النور في زمن يتكالب فيه الظلام.
كان لزاما على الاحتلال أن يُسكت هذه الأصوات، ويطفئ هذه الشمعات، فالفظائع التي تُرتكب يجب أن تُغطى وتُستر، وهذه الأصوات المناضلة المنافحة تعرّي تستُّر هذا الاحتلال المجرم، الذي تخطى في جرائمه ما سطره التاريخ من جرائم يُضرب بها المثل في الوحشية.
هناك، حيث لا ماء يروي ولا خبز يُشبع، بقيت الحقيقة ببقاء الرجلين وزملائهما، كمن يكتب على جدار الريح أن غزة باقية، وأن صوتها لن يختفي، فكانوا يقفون بين الركام والدخان شهود حق في زمن الزور، وكان كل خروج على الشاشة خروجا إلى الردى، وكل تقرير يُكتب هو وصية جديدة قبل النهاية، لكن الحق أبى إلا أن ينقل عبر عدساتهم بالصوت والصورة، ولحظة بلحظة، جرح الأرض ووجع البشر.
سقط أنس ويده ما زالت ممسكة بالميكروفون، كأنما يأبى أن يتركه حتى بعد أن توقف قلبه! وسقط محمد بجانبه، والكاميرا مائلة إلى الأمام، كأنها ما زالت تحاول التقاط المشهد الأخير
كثيرا ما تحدث أنس الشريف عن تهديدات تصله من الاحتلال لإسكاته ولم يرضخ، واقترب الموت كثيرا منه ومن زملائه ولم يرجعوا، ورأوا بأم أعينهم من قضى نحبه من الصحفيين، فقرروا أن ينتظروا، حتى جاءت اللحظة التي أراد الاحتلال أن يُسكت فيها ذلك الصوت، ويطفئ هذه الكاميرا، ويكسر هذه العدسة التي تنقل جرائمه، فقصف الخيمة التي يتجمع فيها الصحفيون؛ ظنا منه أنه حقق الهدف، وقصف القلم، وأطفأ الكاميرا.. كان ذلك المشهد أكثر من جريمة حرب؛ كان إعلانا صريحا بأن الاحتلال لا يخاف من السلاح بقدر ما يخاف من الكلمة الصادقة التي تحاصره أمام العالم.
كانت ليلة صيفية حارة، يتخللها من وقت لآخر نسيم عليل بارد يهدّئ الروح، ويضيئها القمر في تمامه ليضفي مزيدا من الهيبة على هذه الليلة، وكأن شيئا قد خُبّئ، فالليلة ليست ككل الليالي الصيفية مع حر أغسطس/ آب… ريح طيبة، وهدوء غريب، ونسمات تشفي الروح من آلام وجع الحرب والفقد! لكنها لم تطل كثيرا، فأزيز الطائرات اخترق الصمت، ولهيب ما قصفت به من حميم كدر الجو، ودخان البارود برائحته عكر الصفو ولوث النسائم.
لكن الصاروخ هذه المرة كان كوحش نازل من السماء، يشق الهواء بصفير الموت، ليصطدم بالخيمة ويحوّلها إلى شظايا من نار وتراب، فلم تصمد الكاميرا كما صمدت كل مرة مع هزات الأرض المحدثة بفعل صواريخ الاحتلال، سقطت وسقط معها شهداء الحقيقة، سقط أنس ويده ما زالت ممسكة بالميكروفون، كأنما يأبى أن يتركه حتى بعد أن توقف قلبه!
وسقط محمد بجانبه، والكاميرا مائلة إلى الأمام، كأنها ما زالت تحاول التقاط المشهد الأخير.. كانت وجوههم هادئة، كمن أنهى معركة الشرف وانتصر، رغم أن الجسد قد غاب.
الحقيقة، مهما طعنها الكاذبون، تبقى عصية على الاغتيال؛ فالمشعل الذي حمله أنس الشريف ومحمد قريقع لم يكن ملكا لهما وحدهما، بل كان أمانة في عنق كل صحفي حر، وكل إنسان يرفض أن يُدفن الحق تحت ركام الدبابات
أنس ومحمد قُتلا مرتين! نعم، فالمشهد لم يكن نهايتهما، ولم يشبع الاحتلال ومناصروه من دم أنس وإخوانه، فقصفوهم مرة، وقتلوهم مرة أخرى، لكن الضربة هذه المرة لم تكن من العسكر، بل جاءت ممن أقسم على نقل الحقيقة، جاءت ممن استأمنه المجتمع والعالم أن يكون عيونه، جاءت من صحفيين.
لا أظن أن أنس وزملاءه تألموا من نار البارود، ولا من جراح الشظايا، قدر ما تألموا من اغتيالهم معنويا، بأن تصفهم الصحافة العبرية، وبعض الصحف الألمانية ومن مشى على ضربها، بالمخربين.
قد نفهم ذلك- ولا نقدره- من صحافة العدو، لكن المستهجن أن تجري بعض الصحف الغربية- وخاصة في ألمانيا- مجرى صحف الاحتلال، فكم هو مؤلم أن تتجرد الصحافة من أخلاقيات العمل الإعلامي، وتتنازل عن ضميرها، لتتحول إلى ذراع دعائية لآلة القتل!
كيف يمكن لقلم أن يخط كذبة، وهو يعلم أنها تطعن زميل مهنة في قبره؟ إن هذا ليس مجرد سقوط مهني، بل هو خيانة كاملة لشرف الصحافة، ودهس لمواثيقها التي تفرض احترام الحقيقة وعدم التحريض والتشهير.
الحقيقة، مهما طعنها الكاذبون، تبقى عصية على الاغتيال؛ فالمشعل الذي حمله أنس الشريف ومحمد قريقع لم يكن ملكا لهما وحدهما، بل كان أمانة في عنق كل صحفي حر، وكل إنسان يرفض أن يُدفن الحق تحت ركام الدبابات.
الكلمة التي خرجت من أفواه الشهداء لن تموت، بل ستكبر في صدور آلاف الصحفيين حول العالم، وستعبر الحدود والأسلاك الشائكة، لتفضح القاتل وتروي حكاية الأرض التي لا تركع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

