أعترف أنه نادرا ما اضطربت الكلمات عندما أردت كتابتها، أو ارتجفت عندما قررت تنظيم حروفها، فأنا أمام حكاية مجد قد لا يتكرر بسهولة، مجد نادر بطعم الصدق، والنضارة، والعنفوان الأصيل الغض والقوي.. أمام حكاية تتجدد.
حكاية الأربعة، أنس الشريف ومحمد قريقع وإبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، هي حكاية الوجع الفلسطيني، وخريطته من مجدل كوكبا وديشوم بقضاء صفد حتى أم الرشراش جنوبا، مرورا بالجورة والمجدل وأسدود وعسقلان.. أمل العودة، وحكاية المسير الطويل، والعذاب.
هب أنك، أيها الجلاد، قتلت أنس ومحمد وإبراهيم ومحمد، وطاردت عوائلهم، ومحوتهم كما محوت مئات العائلات من الجد السابع حتى الحفيد الرضيع، فهل ستُسكت الملايين حول العالم الذين باتوا يفهمون، ويدركون؟
حكاية الأربعة هي حكاية محاولة إسكات صوت الحق والحقيقة، الصوت الموجع الذي يؤلم الجلاد.. لماذا لا تزال الضحية قادرة على الحركة، وقادرة على الكلام؟ لماذا هي كذلك رغم أننا نطارد حناجرها الناطقة، وعيونها الكامنة خلف العدسات، محاولة اقتناص اللحظات، وتوثيق الجريمة؟
حكاية الأربعة هي حكاية استمرار استهداف الحق كلمة وصورة، وجعا وألما، حكاية إخلاء المسرح لما هو أشد وأنكى! ولكن، هل يمكن إسكات الحق؟ هل يمكن إخراس الذاكرة؟ هل يمكن حبسها عن الحديث والتذكر والاحتفاظ والاسترجاع؟
تقول بعض القصص إن الدماء البريئة الطاهرة لا تبتلعها الأرض، وسواء كان هذا صحيحا أم لا، فإن الثابت أن الأرض تحكي وتخبر وتدون، وستحكي، وهذا حتى قبل اليوم الآخر حين تخرج أثقالها، وتحدّث أخبارها، ويقول الإنسان: ما لها؟ قبل ذلك كله.. من قال إن الذاكرة تُمحى بسهولة؟ من قال إن الجذور يمكن اقتلاعها؟ من قال إن الناس تنسى؟
هب أنك، أيها الجلاد، قتلت أنس ومحمد وإبراهيم ومحمد، وطاردت عوائلهم، ومحوتهم كما محوت مئات العائلات من الجد السابع حتى الحفيد الرضيع، فهل ستُسكت الملايين حول العالم الذين باتوا يفهمون، ويدركون؟ هب أنك اقتلعت الأسر الغزيّة من أحيائها، ورميت بها إلى أقاصي الأرض، فهل سينسى الغزي أنه ابن غزة هاشم؟
هذه هي الحقيقة المرة.. يبدو أن الجلاد نسي تعلُّم الدرس القديم، إن ما قيل عن أن الكبار يموتون، والصغار ينسون، ثبت تماما فشله! فمن الذي نسي؟ الجلاد أم ضحيته الصامدة؟
الخلود لمن ارتقوا شهداء للأعالي، حيث ينتظرهم نهر بارق، ويرفرفون طيورا خضرا حيث شاؤوا في الوطن الأقدم، فإن لم يعودوا لمواطن آبائهم، فقد عادوا لمفهوم الوطن القدسي البعيد
التجويع انتقلت صوره عبر الدنيا بسبب مصورين جريئين طاردهم الجلاد، وهاجمهم، وحاول تخويفهم فأخفق، فقرر تصفيتهم، ثم ماذا؟ قصة التجويع المروعة انتقلت عبر المايكات، نقلتها أصوات الحق فطاردها الجلاد وهاجمها وقتلها.. فكان ماذا؟
هب أننا نسينا، فهل سينسى الملايين الذين استيقظت فيهم الإنسانية، وتحركت بأصدق ما تكون الحركة لما سمعوا أصوات المراسلين تصدح بالأنين المكتوم خلف نقل الحقيقة كما هي؟ فلا داعي للوصف؛ فالواقع أسوأ من الخيال.
200 صحفي بين عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى والمعاقين ليسوا أرقاما، بل لعنات ستطارد الجلاد، وتؤرق الطارئ، وتعذب المعتدي، وترهق ضمير الإنسانية. سيقول التاريخ دوما كلمته، سيبقى صاحب الحق ثابتا في أرضه، سيبقى صاحب القضية قابضا على جمرها.
الخلود لمن ارتقوا شهداء للأعالي، حيث ينتظرهم نهر بارق، ويرفرفون طيورا خضرا حيث شاؤوا في الوطن الأقدم، فإن لم يعودوا لمواطن آبائهم، فقد عادوا لمفهوم الوطن القدسي البعيد.
وعلينا أن نطلب من الله أن يرحمنا؛ فهو أعلم بما نقاسي في مواجهة مشاهد مهولة من القسوة، لا نجد معها للعيش طعما.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

