"إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي".. بهذه الكلمات بدأت الوصية التي تركها مراسل قناة "الجزيرة" أنس الشريف، الذي اغتاله جيش الاحتلال الإسرائيلي مع زميله محمد قريقع، والمصورَين إبراهيم زاهر ومؤمن عليوة، وسائق الفريق محمد نوفل. ووفقا لمنظمة "مراسلون بلا حدود" استشهد خلال 20 شهرا من الحرب نحو 200 صحفي، بينهم 45 على الأقل أثناء أداء مهامهم.
استشهد طاقم قناة "الجزيرة" في غزة جراء قصف إسرائيلي، استهدف خيمة الصحفيين أمام البوابة الرئيسية لمجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، مع بدء التطبيق لخطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو
أنس، ليس الصحفي الأول من قناة الجزيرة، الذي يسقط شهيدا على مذابح الحقيقة، وفي مهام كشف الإجرام الإسرائيلي وما يرتكبه من مجازر في قطاع غزة، ولن يكون الأخير ما دام هناك احتلال وإجرام، وقضية فلسطينية تنزف بصمت.
لقد قدمت "الجزيرة" قافلة من شهداء الصحافة، الذين واجهوا آلة القتل الإسرائيلي بآلة التصوير لتكشف زيف الاحتلال، وتنقل بالصوت والصورة معاناة الناس من الحصار القاتل، ومن الدمار الفظيع.
استشهد طاقم قناة "الجزيرة" في غزة جراء قصف إسرائيلي، 10 أغسطس/آب الجاري، استهدف خيمة الصحفيين أمام البوابة الرئيسية لمجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، مع بدء التطبيق لخطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي دخل موسوعة "غينيس" في طليعة من مارس الإجرام والقتل بحق السكان، وفي طليعة من عمل على إسكات الصوت واغتيال الحقيقة لتعمده قتل الصحفيين، في تحدٍ واضح لما تتضمنه شرعة حقوق الإنسان.
على مدار أكثر من 60 عاما، صدرت قوانين دولية عديدة لحماية الصحفيين، وتمكينهم من الدفاع عن حقوقهم في زمن السلم وحالات الحرب والنزاعات العسكرية.
وعلى رأس هذه القوانين ما نصت عليه شرعة حقوق الإنسان في المادة 19 على أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق استقاء الأنباء والأفكار، وتلقيها، وإذاعتها بأي وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية".
لم يتوقف الأمر عند ما حملته بنود مواثيق الأمم المتحدة من حماية للصحفيين وعملهم في نشر المعلومة؛ بل نُظمت جمعيات كثيرة، وعُقدت المؤتمرات، وجميعها صبّت أهدافها في خانة احترام عمل الصحفي، وتجنيبه القتل المتعمد بهدف منعه من قيامه بدوره. لكنّ هناك مجرما يقود حربا بمسارين لا ضوابط لهما.
يتخبط نتنياهو في اتخاذ القرارات في الشأن الغزي، وكان آخرها موافقة الكابينت على خطة الرجل، التي تهدف إلى احتلال مدينة غزة بالكامل وتهجير سكانها
المسار الأول ميداني- عسكري، حيث لم يزل ينفذ المخططات المرسومة بتوافق أميركي لاحتلال القطاع وتهجير سكانه عمدا، تحت ذرائع مختلفة؛ منها القضاء على حركة حماس، وتسليم القطاع لسلطة مدنية.
أما المسار الثاني، فهو الممارسة القمعية لإخفاء الحقيقة بحق الإعلاميين ودورهم، فهو- نتنياهو نفسه- من اشترط على مقدمي المساعدات الإنسانية للقطاع المجوّع عمدا، بألا يتم التصوير، خوفا من أن يكتشف العالم- الذي بات يعلم- هول إجرامه.
هذا الخوف من قبل نتنياهو فرض نوعا من التعتيم الإعلامي، حيث عمل جيش الاحتلال على تضييق الخناق أكثر على أداء الصحفيين، من خلال القضاء عليهم، واستسهل اغتيالهم في ظل صمت دولي رسمي على فظائع أعماله، واكتفاء المؤسسات الدولية بالإدانة، دون أن تحرك ساكنا، وتتجه نحو تحركات جدية لوقف جنون نتنياهو، وسوقه هو ومن شارك في الدفع بقرارات القتل إلى العدالة الدولية.
يتخبط نتنياهو في اتخاذ القرارات في الشأن الغزي، وكان آخرها موافقة الكابينت على خطة الرجل، التي تهدف إلى احتلال مدينة غزة بالكامل وتهجير سكانها.
إن الرجل المتعطش إلى تسجيل انتصار يجاري فيه من تبقى من اليهود المؤيدين له، يسارع الخطوات نحو اغتيال الحقيقة، علّه في ذلك ينجح بتحقيق أهدافه عبر ممارسة المزيد من القتل والإجرام بحق السكان، ليستخدمها ورقة ضغط على حركة حماس، ويدفعها نحو الاستسلام وتسليم ما تبقى من محتجزين لديها.
ليدرك نتنياهو ويتعظ بأن دماء الشهيدة الصحفية شيرين أبو عاقلة، مراسلة قناة "الجزيرة" التي اغتالها بدم بارد، أزهر أبطال صحافة، وأن سقوط أنس الشريف لن يُرهب المؤسسة أو يثنيها عن تقديم الحقيقة
سباق مع الوقت تشهد عليه ساحة الميدان في القطاع، بين خوف نتنياهو من الاحتجاجات الشعبية في العالم التي بدأت تتزايد، وبداية تناقص في مخزون جيشه العسكري، بعدما بدأ تحرك الدول التي كانت صديقة له بالأمس لاتخاذ قرارات وقف مدّه بالعتاد العسكري؛ إذ ذكرت صحيفة "معاريف" العبرية أن توقف الحكومة الألمانية عن تقديم شحنات عسكرية إلى الجيش الإسرائيلي ينذر بخطر تناقص حقيقي في مخزونه.
لقد انقلب السحر على الساحر، على ما يبدو، فبعدما عمل على إقرار مخطط تطويق غزة، يجد نفسه في عزلة دولية لم تشهدها بلاده منذ تأسيسها 1948. وإنه، وهو الذي أعطى الأوامر بقتل الصحفيين لفرض تعتيم إعلامي على ما يحدث في القطاع، يجد أن حقيقة إجرام جيشه تحتل الشاشات وتتصدر الإعلام العالمي.
أزمة نفسية حقيقية بات يعاني منها الرجل، يقابلها إصرار جديّ من قبل قناة "الجزيرة" على الاستمرار في كشف الحقيقة، من خلال الرسالة التي يؤديها صحفيوها الذين لا يهابون الموت، ولن يردعهم إجرام العدو.
فليدرك نتنياهو ويتعظ بأن دماء الشهيدة الصحفية شيرين أبو عاقلة، مراسلة قناة "الجزيرة" التي اغتالها بدم بارد، أزهر أبطال صحافة، وأن سقوط أنس الشريف لن يُرهب المؤسسة أو يثنيها عن تقديم الحقيقة، بل سيزيدها إصرارا.. وسيردد القيّمون عليها والعاملون فيها مع الشاعر أحمد شوقي:
"وللحرية الحمراء باب.. بكل يد مضرجة يُدق".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

