حين تُستهدف الكلمة.. وداعًا أنس الشريف ورفاقه

أنس الشريف من شمال غربي مدينة غزة
الصحفي أنس الشريف استشهد يوم 10 أغسطس/آب 2025 إثر غارة لطائرات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت خيمة للصحفيين بغزة (الجزيرة)

في غزة، حيث ينام الليل على دوي المدافع، ويستيقظ الصباح على صرخات المكلومين، جاء اليوم الذي طوى صفحة خمسة من فرسان الكلمة والصورة؛ كانوا شهودا على الحق، يكتبونه بعدساتهم وأصواتهم، فإذا بالقصف يجعلهم شهداء عند الحق.

في خيمة وادعة قرب مستشفى الشفاء، اجتمعوا بعد جولة طويلة بين الركام والمستشفيات، تبادلوا الكلمات الطيبة كما يتبادل الجرحى الضمادات، وتقاسموا ما بقي من ماء وهدوء، كأنهم يحاولون انتزاع لحظة حياة من بين أنياب الموت، لكن صواريخ الغدر لم تمهلهم، فهوت على الخيمة، وقوضت سقفها، وبددت أجسادهم كما تبعثر الريح أوراق الخريف، وتركت خلفها صمتا ثقيلا يخنق الهواء.

محمد قريقع، كانت عدسته تكتب قصائد الألم بلا حروف، وتؤرخ للحظة قبل أن تذوب في غبار الحرب

أنس ومحمد: صوت المدينة وعدسة الحكاية

رحل أنس الشريف، الصوت الذي كان ينساب إلى مسامعنا رصينا هادئا، لكنه يحمل في طياته أنين مدينة بأكملها.. لم نرَ فيه مراسلا فحسب، بل ابنا من أبناء غزة، يعرف أزقتها كما يعرف بيته، ويقف على أطلال بيوتها المهدمة كما يقف الولد على قبر أبيه، بعيون دامعة وقلب ثابت.

كان يدخل البيوت المهدمة كأنه يدخل بيت أهله، يسأل الجرحى عن أحوالهم قبل أن يسأل عن تفاصيل القصف، ويقف وسط النيران ليحمل للعالم صورة الحقيقة بلا رتوش.

أما محمد قريقع، فقد كانت عدسته تكتب قصائد الألم بلا حروف، وتؤرخ للحظة قبل أن تذوب في غبار الحرب. لم يكن مجرد مصور، بل كان شاهدا على أن في غزة أطفالا يضحكون رغم الخوف، وأمهات يخبئن الدموع خلف ابتسامة قصيرة، تقاوم الانكسار أمام أبنائهن.

كان يقترب من الخطر ليعطي صورا تساوي آلاف الكلمات، صورا لا تموت مهما تعاقبت السنون.

ومعهما غاب إبراهيم زاهر، ومحمد نوفل، ومؤمن عليوة.

إن استهداف خيمة تحمل شارة الصحافة، قرب مستشفى يعج بالجرحى والنازحين، هو إعلان صريح بأن الاحتلال لا يعترف بقوانين الحرب ولا بأبسط القيم الإنسانية

جريمة الاحتلال: حين تتحول الكاميرا إلى هدف

إن استهداف الصحفيين في قلب غزة ليس حادثا عرضيّا يمكن تبريره أو التهوين من شأنه، بل هو فعل مقصود يحمل بصمات عقلية استعمارية لا تختلف في جوهرها عن أعتى النظم النازية التي سعت لإسكات كل صوت يفضح جرائمها. حين تتحول الكاميرا إلى هدف، والميكروفون إلى تهديد، فهذا يعني أن الاحتلال قد بلغ به الجبن مبلغا يخشى فيه حتى من صورة أو كلمة.

إعلان

إن استهداف خيمة تحمل شارة الصحافة، قرب مستشفى يعج بالجرحى والنازحين، هو إعلان صريح بأن الاحتلال لا يعترف بقوانين الحرب ولا بأبسط القيم الإنسانية، وأنه يعتبر الحقيقة عدوه الأول.

هذه ليست مجرد جريمة حرب، بل صفحة جديدة في سجل طويل من الانتهاكات التي توثّق أن هذا الاحتلال يرى في الصحفي شاهدا يجب محوه، لا عينا يجب حمايتها.

إن غاب الجسد تحت التراب، فالأرواح ما زالت تحوم فوق غزة، تحمل في أجنحتها الكلمة والصورة

جريمة لا تُمحى ومصابيح لا تنطفئ

استهداف خيمة الصحفيين ليس رصاصة طائشة، ولا خطأ في إحداثيات الحرب؛ بل رسالة وقحة مفادها أن الحقيقة يجب أن تُقتل قبل أن ترى النور. ومع ذلك، فإن دماء هؤلاء، وقد سالت على تراب غزة، ستظل حمراء قانية تكتب على الجدران أن الكلمة لا تُقتل، وأن الصورة لا تُمحى، وأن الشهادة آخر فصول الحكاية العظيمة.

فإن كانت الحروب قد أطفأت مصابيح البيوت، فإن دماء الشهداء من أمثال أنس ورفاقه قد أضرمت في القلوب مصابيح لا تنطفئ، تضيء دروب الأحرار، وتدلّ الضالّين إلى الحق.

وإن غاب الجسد تحت التراب، فالأرواح ما زالت تحوم فوق غزة، تحمل في أجنحتها الكلمة والصورة، وتهمس في آذان العالم: "هنا أناس أحبوا الحقيقة أكثر من حياتهم… فوهبوها حياتهم".

رحم الله أنس ورفاقه، وجعل ما قدّموه شفيعا لهم يوم يلقونه، وأبقى لنا من سيرتهم ما نروي به قلوبنا إذا ضاق صدر الزمان عن الرجال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان