إسرائيل واغتيال الشهود: حين تُستهدف الكلمة قبل الروح

كومبو لمراسلي الجزيرة الشهيدين أنس الشريف ومحمد قريقع
الشريف (يمين) وقريقع استشهدا باستهداف إسرائيلي مباشر الليلة الماضية (الجزيرة)

في الحروب، تبقى الحقيقة أول ضحية، لكن في فلسطين، الاحتلال لا ينتظر أن تسقط الحقيقة صدفة، بل يتعمد اغتيالها مع أصحابها!

إسرائيل، التي راكمت تاريخا طويلا من القمع والبطش، تدرك أن المعركة لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بالسيطرة على الرواية، ولهذا جعلت من الصحفيين هدفا عسكريا مشروعا في نظرها، في محاولة لإسكات الشهود قبل أن ينطقوا، وكتم الكاميرا قبل أن تلتقط المشهد.

أنس الشريف، الذي عُرف بثباته تحت القصف، لم يكن مجرد مراسل ينقل الخبر من مسافة آمنة، بل كان جزءا من الحدث، يقف وسط الركام، يرافق المسعفين، ويوثق اللحظة كما هي، دون تزييف أو تلطيف

اغتيال الصحفيين ليس حدثا طارئا في سجل الاحتلال، بل سياسة ممنهجة وممتدة، تهدف إلى شطب العين التي ترى والأذن التي تسمع والقلم الذي يوثق.. ومن بين أحدث الشواهد على هذه السياسة الجبانة، جريمة اغتيال أنس الشريف ومحمد قريقع، مراسلي شبكة الجزيرة في غزة، اللذين شكّلا خلال السنوات الماضية أيقونتين في ميدان الصحافة الميدانية، ونبراسين ينيران الطريق أمام العالم لفهم حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال والحصار.

أنس الشريف، الذي عُرف بثباته تحت القصف، لم يكن مجرد مراسل ينقل الخبر من مسافة آمنة، بل كان جزءا من الحدث، يقف وسط الركام، يرافق المسعفين، ويوثق اللحظة كما هي، دون تزييف أو تلطيف.. كان صوته هادئا لكنه يحمل في نبراته قوة الحقيقة، وصورته دائما مشبعة بالغبار والدموع وملامح الأطفال الذين فقدوا بيوتهم وأحبتهم.

أما محمد قريقع، فكان شريكا في حمل هذا العبء، بعدسته الحادة التي اخترقت جدران الأكاذيب، وقدرته على تجميد اللحظة حتى تبقى شاهدا على الزمن، فلا تضيع في ضجيج الأخبار.

حين أقدمت إسرائيل على اغتيالهما، لم تكن تستهدف شخصيهما فقط، بل كانت تسعى إلى اغتيال الدور الذي قاما به؛ دور الصحفي الذي يتحدى الموت لينقل الحقيقة، ودور الشاهد الذي يقف في وجه الرواية الرسمية للاحتلال.

إعلان

هذه الجريمة ليست منفصلة عن سجل طويل من الاعتداءات على الصحفيين الفلسطينيين والأجانب، من اغتيال شيرين أبو عاقلة برصاص قناص إسرائيلي في جنين، إلى استهداف مقار إعلامية كاملة في غزة، مثل برج الجلاء الذي ضم مكاتب وكالة أسوشيتد برس والجزيرة، في محاولة لطمس أي تغطية مستقلة للجرائم.

خسارة أنس ومحمد هي فقدان لعينين كانتا ترصدان الألم لحظة بلحظة، ولقلبين كانا ينبضان على إيقاع المأساة اليومية في غزة

سياسة اغتيال الصحفيين ليست مجرد قرارات ميدانية اتخذها جنود على الأرض، بل هي انعكاس لعقلية احتلال يدرك أن الكلمة الصادقة أخطر عليه من الرصاص، وأن الصورة التي تخرج من تحت الركام قد تهدم أسوار دعايته التي بناها على مدى عقود.

إسرائيل، التي تمتلك ماكينة إعلامية ضخمة مدعومة من حلفائها، تسعى بكل قوتها لتكون روايتها هي الوحيدة المسموعة عالميا، ولهذا تعمل على محو أي صوت أو صورة تناقض تلك الرواية.

إن استهداف أنس ومحمد هو رسالة رعب موجهة لكل صحفي ما زال يحمل الكاميرا أو الميكروفون في غزة والضفة، تقول له: "حياتك هي الثمن إذا واصلت كشف الحقيقة". لكنها أيضا -وللمفارقة- شهادة مجانية على فشل الاحتلال في معركته ضد الحقيقة؛ لأن دماء هؤلاء الشهداء تحولت إلى وقود يزيد من قوة الرواية الفلسطينية، ويكشف أمام العالم حجم الإجرام الممنهج.

في السياق الإنساني، خسارة أنس ومحمد هي فقدان لعينين كانتا ترصدان الألم لحظة بلحظة، ولقلبين كانا ينبضان على إيقاع المأساة اليومية في غزة. لم يكونا يكتفيان بنقل الخبر، بل كانا يعيشان تفاصيله، يواسيان الضحايا، ويقدمان الدعم للناجين، حتى وهم تحت القصف. كانت الكاميرا بالنسبة لهما ليست أداة مهنية فحسب، بل أمانة ومسؤولية ورسالة.

اغتيالهما في هذه اللحظة بالذات يشي بنوايا الاحتلال لإخفاء ما هو قادم؛ فعادة ما يسبق قتل الصحفيين تنفيذ مجازر أكبر في الخفاء، حيث يُراد للدماء أن تُسفك بعيدا عن عدسات العالم، وأن تُمحى آثار الجريمة قبل أن توثق.. إنها سياسة "التعتيم المسبق" التي تجيدها إسرائيل، وتنفذها بلا أي خشية من المساءلة الدولية، مستندة إلى صمت دولي مريب، وتواطؤ من أنظمة ترى الحقيقة عبئا ثقيلا.

ستبقى الكلمة عصية على الاغتيال، وستظل العدسة أصدق من الرصاصة. ورغم الألم، فإن إرث أنس الشريف ومحمد قريقع سيبقى حاضرا، يلهم الصحفيين في غزة وخارجها

لكن ما لا تدركه إسرائيل أن الحقيقة لا تُقتل باغتيال حامليها، بل تتجذر أكثر، وتجد ألف طريق لتخرج للنور. فاليوم، صار أنس ومحمد رمزين لجيل كامل من الصحفيين الفلسطينيين الذين يواجهون الموت يوميا، من أجل أن تبقى فلسطين حاضرة في ضمير العالم. دماؤهما ستظل توقظ الذاكرة كلما حاولت الأكاذيب أن تهيمن، والعدسة التي صمتت ستواصل الكلام من خلال كل زميل ورفيق يواصل الطريق.

إن معركة الصحفيين في فلسطين هي معركة وجود، ليست مهنية فحسب، بل أخلاقية وإنسانية؛ فهم لا يدافعون فقط عن حرية الصحافة، بل عن حق شعب بأكمله في أن يروي قصته، وعن حق العالم في أن يعرف الحقيقة كما هي، لا كما يريد المحتل أن يرويها.. اغتيال أنس ومحمد هو تذكير مؤلم بأن الاحتلال لا يخشى السلاح بقدر ما يخشى الحقيقة، وأن الصورة قد تكون أقوى من أي طلقة.

إعلان

في النهاية، ستبقى الكلمة عصية على الاغتيال، وستظل العدسة أصدق من الرصاصة. ورغم الألم، فإن إرث أنس الشريف ومحمد قريقع سيبقى حاضرا، يلهم الصحفيين في غزة وخارجها، ويؤكد أن الحقيقة، مهما حوصرت بالرصاص والجدران، لا بد أن تجد طريقها إلى ضمير العالم.

دماؤهما ليست خاتمة القصة، بل بداية فصل جديد في معركة الرواية، فصل يكتب بالدم، لكن يقرؤه كل من ما زال يؤمن بأن الحقيقة تستحق أن يدافَع عنها حتى آخر نفس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان