من وثيقة سموتريتش إلى لحظة السقوط!

كومبو يجمع مابين بن غفير - نتنياهو - سموتريتش
بن غفير (يمين) ونتنياهو (وسط) وسموتريتش (وكالات)

ليس ثمة أكثر خطورة على الكيانات من لحظة شعورها بأنها بلغت ذروتها! في تلك اللحظة بالذات، تنفصل القوة عن معناها، ويتحول التفوق إلى استنزاف داخلي صامت.

تلك هي طبيعة الذروة: تشبه القمة التي يضيق عندها الحيز وتضطرب فيها الرؤية، لا لأنها لحظة قوة مفرطة، بل لأنها لحظة انكشاف. هذا ما وصفه إيمانويل تود، حين قرأ في سبعينيات القرن الماضي ملامح سقوط الاتحاد السوفياتي، لا من خلال الاقتصاد أو الجيوش، بل من خلال "الافتراق بين السلطة والمعنى، بين السلاح والشرعية، بين الدولة وسرديتها الداخلية".

ولعل هذا بالضبط ما تعيشه إسرائيل الآن، وهي تقف فوق رماد غزة، ظنا منها أنها تسيدت المعركة.

الغرب يعيش صداما متصاعدا بين مؤسساته التي تدعم إسرائيل بلا شروط، وبين شعوب بدأت تفقد الثقة في سردية أصبحت تثير الاشمئزاز، وهو ما ظهر في أكثر من 60 جامعة، من هارفارد إلى السوربون

ما يجري ليس مجرد حرب تقليدية، بل التطبيق الوقح لأفكار جرى إعدادها بدم بارد، من خطة "الحسم" التي قدمها بتسلئيل سموتريتش، والتي تقوم على تخيير الفلسطيني بين الخضوع والرحيل والإبادة، إلى أطروحات إيتمار بن غفير حول "تهجير العدو من الداخل"، وصولا إلى خطاب نتنياهو حول "حق إسرائيل الحصري في تعريف نفسها"، تبرز ملامح عقل استعماري فقد ثقته في التعايش، وصار يرى في القتل وسيلة ترتيب نهائي للواقع.

لكن ما يغيب عن هذه العقول، رغم فظاعتها، هو إدراك أمر بسيط: لا يمكن لأي نظام استيطاني أن يتحول إلى أمر طبيعي، مهما استُخدمت القوة. هذا ما أثبتته قرون الاستعمار، وما أكده تاريخ الإمبراطوريات حين تفقد مركز المعنى.

لقد وصف أرنولد توينبي، في دراسته لتحولات الحضارات، أن "كل حضارة تبدأ بالاستجابة لتحدٍ، ثم تنحرف حين تنسى أسباب نشأتها، وتنهار حين تمعن في قمع التحديات الجديدة".

إعلان

إسرائيل، في سياق كهذا، لم تعد حضارة تدافع عن نفسها، بل مشروعا إحلاليا يرفض كل تحدٍ، لأنه يرى فيه تهديدا لشرعيته المختلقة. وفي اللحظة التي تتحول فيها أدوات القوة إلى أدوات نفي، تفقد الدولة وظيفتها، وتتحول إلى كيان يقاتل من أجل البقاء، لا من أجل المستقبل.

في غزة، يُمارَس هذا المنطق على أوسع نطاق! ليس المطلوب نصرا عسكريا، بل إنتاج حالة عدم رجعة: تفريغ السكان، ضرب البنية التحتية، قتل المعنى الجمعي، وتحويل النكبة من ذكرى إلى واقع.

لكن ما يفعله الإسرائيليون اليوم هو تكرار- دون أن يدروا- لوهم الإمبراطوريات في لحظاتها الأخيرة.. كلما اقتربت من تحقيق حلمها، ابتعدت عن قدرتها على الاستمرار.

فيتنام كانت نموذجا، الجزائر كانت إعلانا، جنوب أفريقيا كانت مفصلا أخيرا. كل هذه التجارب تقول شيئا واحدا: القوة حين تُستخدم لتجاهل التاريخ، لا لإعادة قراءته، تصبح أداة انتحار مؤجلة.

الانهيار لا يبدأ من الجبهة العسكرية، بل من الداخل الأيديولوجي.. هذا ما ركز عليه إيمانويل تود، حين رأى أن الدولة لا تسقط حين تُهزم، بل حين تتوقف عن الإقناع.

إسرائيل اليوم لم تعد قادرة على الإقناع: لا للعالم، ولا لجمهورها؛ سردية "الدفاع عن النفس" تآكلت، لا بفعل المقاومة فقط، بل بفعل كثافة التناقض! دولة تملك أقوى ترسانة في المنطقة تخشى علما مرفوعا، تُحارب طفلة تحمل اسم قريتها المهجرة، تُغلق فم شاعر، وتعتقل أمّا على كلمة.. مثل هذه الدولة لا تعيش ذروة سيطرتها، بل ذروة خوفها. وحين تبلغ الدولة ذروة الخوف، فإنها تدخل في دوامة استنزاف لا يوقفها إلا الانفجار.

حين تفقد دولة ما حقها في "الاستثناء"، فإنها تفقد معه غطاءها الأخلاقي، ومن ثم السياسي، والاقتصادي، وتبدأ بالتحول من لاعب إقليمي إلى عبء جيوسياسي

لكن السؤال ليس في إسرائيل وحدها، بل أيضا في المنطقة، وفي العالم العربي، وفي الإقليم. الواقع لا يبشر بانفجار قريب، لكنه كذلك لا يضمن استقرارا طويلا.

هناك من يدير الملف على حافة التوازن؛ يخشى فتح المعركة، لكنه عاجز عن إغلاقها، ويحتفظ بالمعابر كسلاح صامت في لعبة الضغط المتبادل.

وهناك من يتحرك بين ضغط الداخل وتنسيق الخارج، يحذر من "الانفجار الكبير"، لكنه لا يقطع علاقاته الأمنية. وآخرون لا يتعاملون مع فلسطين كقضية مصير، بل كرمز يُوظَف عند الحاجة؛ ونظرة واحدة إلى اتفاقيات التطبيع وما تبعها تكفي لفهم حجم التحول.

وفي المقابل، تتحرك أطراف إقليمية ودولية بحذر شديد؛ فبعضها يلوّح بخطابات عالية السقف من دون أن يترجمها إلى خطوات عملية، فيما يسعى بعضها الآخر إلى الموازنة بين مصالحه وعلاقاته الخارجية، لتظل المعركة مفتوحة على احتمالات عديدة من دون حسم وشيك.

الغرب يعيش صداما متصاعدا بين مؤسساته الرسمية التي تدعم إسرائيل بلا شروط، وبين شعوب بدأت تفقد الثقة في سردية أصبحت تثير الاشمئزاز، وهو ما ظهر في أكثر من 60 جامعة حول العالم من هارفارد إلى السوربون، حين رفع طلابها شعار "من النهر إلى البحر" متحدين الرقابة، ومطالبين بفك الدعم غير المشروط لدولة الأبارتايد.

إعلان

ورغم هذا المشهد الرمادي، هناك ما يتحرك، ما يتراكم، ما ينمو تحت الطين. ليست المقاومة اليوم فقط في السلاح، بل في الصورة، في الكلمة، في الوثيقة، في الوعي.. وهذا ما لم تحسب له إسرائيل حسابا.

تماما كما لم تحسب فرنسا أن "كتابا" سيُطيح بسطوتها في الجزائر، وكما لم تحسب قوى السيطرة أن نيلسون مانديلا سيحول النظام العنصري إلى ماضٍ محرَم، أو أن قصيدة واحدة قد تغير نظرة العالم.

في ظل هذا، تصبح السيناريوهات مفتوحة، لكنّ كلا منها مشروط بسياقه:

  • تدخل إقليمي مباشر؟ لا يبدو قريبا، لأنه يتطلب تحولا جذريا في موازين المصالح، وهذا لم ينضج بعد.
  • انسحاب إسرائيلي تكتيكي؟ ممكن، لكنه لن يكون ناتجا عن شفقة أو ضغوط دولية، بل عن لحظة يصل فيها الجيش إلى قناعة بأن الاستمرار أصبح عبثا.
  • السيناريو الأقرب، في ضوء ما نرى، هو استمرار المقاومة الممتدة، الشاملة، الهادئة، تلك التي تعمل على تقويض الشرعية الإسرائيلية لا عبر المعركة فقط، بل عبر تفريغ الرواية الصهيونية من مركزها، وهذا ما بدأ يحدث. فلسطين لم تعد قضية على هامش الإعلام، بل باتت تختطف المنصات، والجامعات، والأسواق، ولغة الفن، وسرديات السينما.

هذا النوع من المقاومة، كما يقول إدوارد سعيد، ليس مقاومة السلاح فقط، بل مقاومة المعنى. حين تصبح فلسطين مرآة للعالم، وتتحول النكبة إلى عدسة يُفحص من خلالها الضمير العالمي، فإن إسرائيل تفقد مكانتها الاستثنائية، وتُعاد إلى حجمها: دولة أبارتايد متأخرة، تعيش خارج منطق التاريخ.

وحين تفقد دولة ما حقها في "الاستثناء"، فإنها تفقد معه غطاءها الأخلاقي، ومن ثم السياسي، والاقتصادي، وتبدأ بالتحول من لاعب إقليمي إلى عبء جيوسياسي.

وهذا بالضبط ما يحدث: واشنطن بدأت تشعر أن إسرائيل أصبحت ثغرة بدل أن تكون ورقة.. أوروبا لم تعد قادرة على ابتلاع المجازر.. اليسار العالمي استدار، وقطاعات الشباب اليهودي في الغرب بدأت تخرج عن صمتها.

إن التقطنا الإشارة، وبنينا على لحظة الانكشاف هذه مشروعا للتحرر لا يتوقف عند الجغرافيا، بل يصل إلى الوعي، فإننا لا ننتصر فقط في فلسطين، بل في الخرائط التي فُرضت علينا منذ قرن، وآن لها أن تُكسر

لكن أخطر ما في هذه اللحظة، ليس رد الفعل الدولي، بل السؤال العربي: هل نملك مشروعا لما بعد السقوط؟ لأن إسرائيل ستسقط، لا نتيجة هزيمة عسكرية شاملة، بل نتيجة تشققات طويلة المدى. لكنها إن سقطت في فراغ، فإن قوى أخرى ستملأ المكان، وربما تكرر المأساة بثوب مختلف.

هنا يظهر الفرق بين من يقاتل ليُسقط إسرائيل، ومن يقاتل ليبني ما بعدها؛ الأول ينتصر عسكريا، ثم يفشل! والثاني، يُعد الجبهة الداخلية، يزرع المعنى، ويبني سردية لا تقل قوة عن السلاح. في النهاية، لا تقوم الدول بالقهر وحده، بل بالشرعية. وإسرائيل، في لحظتها الراهنة، فقدت معظم شرعيتها، حتى في نظر من أسسوها.

لهذا، نحن في لحظة فاصلة! الذروة الإسرائيلية هي ذروة الخوف، وذروة العجز عن إنتاج معنى.. المشروع الصهيوني وصل إلى أقصى ما يستطيع: احتلال، وتطهير، وإنكار، وكذب، ومجازر علنية، لكنه لا يملك ما بعد ذلك.. لا رؤية، لا مشروع تعايش، لا لغة مقنعة حتى لجمهوره! إنه مشروع يعيش في زمن مضاد، ويتغذى من خوفه، لا من طموحه.

في هذه اللحظة، يتدخل التاريخ، ليس بمعناه الخطي، بل بوصفه قانونا غير مكتوب؛ كل مشروع قام على النفي سقط بالنفي، وكل احتلال ظن أنه أزلي انهار حين بلغ ذروته. ليست غزة وحدها على المحك، بل المنطقة كلها، وإن لم نقرأ هذه اللحظة كما ينبغي فسنعيد تكرارها، كما تعود الضحايا الذين لا يملكون سردية.

لكن إن التقطنا الإشارة، وبنينا على لحظة الانكشاف هذه مشروعا للتحرر لا يتوقف عند الجغرافيا، بل يصل إلى الوعي، فإننا لا ننتصر فقط في فلسطين، بل في الخرائط التي فُرضت علينا منذ قرن، وآن لها أن تُكسر؛ لأن الذروة -كما قال توينبي- لا تكون نهاية الانحدار إلا لمن لا يفهم معناها.

إعلان

وإسرائيل -رغم سلاحها- لا تفهم.. ولهذا، ستُخذل من ذروتها، وسنبدأ نحن من هناك حكايتنا الحقيقية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان