غزة تموت جوعا.. فأين ضمائرنا؟!

صور تظهر معاناة الحصول على الفتات في ظل سياسة التجويع المستمرة بقطاع غزة
صور تظهر معاناة الحصول على الفتات في ظل سياسة التجويع المستمرة بقطاع غزة (الجزيرة)

في مشهد يجسد أبشع صور الإجرام والإبادة الصامتة التي يرتكبها الاحتلال "الإسرائيلي"، تتصاعد التحذيرات من داخل قطاع غزة وخارجه بشأن تدهور الأوضاع الصحية نتيجة الجوع الذي بات سلاحا فتاكا بيد الاحتلال "الإسرائيلي" لإخضاع المقاومة والسكان.

تسجل المستشفيات ارتفاعا غير مسبوق في حالات الإعياء الشديد، بينما أكدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا أن العالم يقف شاهدا صامتا على واحدة من أكثر الفصول دموية ومهانة في التاريخ الإنساني الحديث، في مأساة جماعية تتكشف فصولها في قطاع غزة، حيث يُقتل الجوعى في طوابير المساعدات، ويُحاصر الأطفال والنساء والشيوخ بالموت البطيء، وتتراكم جثثهم أمام الشاحنات بدلا من أن يتلقوا سلال الغذاء.

الجوعى المتكدسون في طوابير طويلة يتعرضون لإطلاق نار مباشر، في مشهد يومي مأساوي لم يحرك ساكنا في ضمائر العالم، على الرغم من توثيقه ونشر بعض تسجيلاته

أكدت المنظمة أن المجاعة المفروضة حاليا على قطاع غزة ليست ناتجة عن ظروف طبيعية، بل هي سياسة متعمدة وممنهجة، تشكل فصلا من فصول جريمة الإبادة الجماعية وإذلال شعب بأكمله.

وأشارت المنظمة إلى أن عدد الضحايا الذين قُتلوا أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء تجاوز 875 مدنيا منذ 27 مايو/أيار، من بينهم عشرات النساء والأطفال.

وأضافت أن الجوعى المتكدسين في طوابير طويلة يتعرضون لإطلاق نار مباشر، في مشهد يومي مأساوي لم يحرك ساكنا في ضمائر العالم، على الرغم من توثيقه ونشر بعض تسجيلاته.

هذا الصمت والشلل والإحجام عن اتخاذ أي إجراء حاسم، شجع كل ذلك حكومة نتنياهو على اتخاذ مزيد من الإجراءات القمعية، من خلال منع إدخال المواد الغذائية والطبية بشكل كامل، مما أدى إلى حرمان الأطفال والنساء والعائلات من أبسط مقومات الحياة، ونتج عنه وفيات مباشرة.

وأشارت المنظمة إلى أن ذلك يتم عبر ما يسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF)، التي أوكل إليها الاحتلال، بدعم أميركي صريح، مهمة توزيع المساعدات بدلا من الأمم المتحدة ووكالاتها، في خطة وصفتها الأمم المتحدة نفسها بأنها "بديل ساخر" و"مدمر لمبادئ العمل الإنساني".

إعلان

هذه المؤسسة، التي تدير أربع نقاط توزيع تتحول يوميا إلى ساحات إعدام ميداني، حيث يتم إطلاق الرصاص على الجموع في مشاهد تحاكي، بل وتفوق، الدراما الخيالية السوداء "ألعاب الجياع" في أحلك تجارب القمع.

استمرار هذا الوضع دون مواجهة حقيقية من دول العالم، يعني أن المجتمع الدولي في أسوأ حالاته من العجز والخرس الأخلاقي، وأن كل البيانات الصادرة مهما بدت قوية، هي والعدم سواء

وقد تأكد للمجتمع الدولي أن مسؤولي هذه المؤسسة والمتعاقدين معها، بمن فيهم شركات أمنية خاصة أميركية، هم شركاء مباشرون في فرض هذا الواقع الدموي.

وأوضحت المنظمة أن فشل الأمم المتحدة في حماية النظام الإنساني، وخضوعها لإقصاء وكالاتها لصالح جهات متورطة في الانتهاكات، يمثلان عارا دوليا مدويا، ويكشفان عن مدى تدهور القيم الأخلاقية.

أما الولايات المتحدة، فقد أظهرت في هذا الملف تبعية عمياء لا تقتصر على الصمت، بل تتعداه إلى التبرير والدعم المالي والعسكري والسياسي، وتوفير الغطاء لكل ما تقوم به إسرائيل على الأرض، بما في ذلك عسكرة توزيع الغذاء وقتل المحتاجين إليه.

وأكدت المنظمة أن استمرار هذا الوضع دون مواجهة حقيقية من دول العالم، يعني أن المجتمع الدولي في أسوأ حالاته من العجز والخرس الأخلاقي، وأن كل البيانات الصادرة عن المنظمات والهيئات، مهما بدت قوية، هي والعدم سواء، حيث لا تُطعم جائعا ولا تحمي من رصاص.

وجهت المنظمة نداء مفتوحا إلى شعوب العالم، ولا سيما شعوب الجنوب العالمي، وإلى الدول التي لم تشترَ مواقفها في سوق النفاق السياسي الدولي، من جنوب أفريقيا إلى أيرلندا، وتشيلي، والبرازيل، بألا تكتفي بالإدانة الأخلاقية، بل تتحرك بخطوات ملموسة على المستويين: القانوني والدبلوماسي.

هل يتحرك الضمير الإنساني قبل أن تتحول غزة إلى مقبرة جماعية لسكانها؟ أم يستمر العالم في طمس الحقيقة تحت وطأة الصمت والنفاق؟

فما يجري في غزة من تجويع جماعي وقتل ميداني أمام شاحنات المساعدات لا يمكن تركه للمناشدات وحدها، بل يتطلب إجراءات سيادية تبدأ بسحب السفراء، وتجميد العلاقات، وتكوين كيانات دولية فاعلة قادرة على كسر هذا الحصار، وإنقاذ مئات الآلاف من الموت جوعا.

وناشدت المنظمة النقابات والاتحادات المهنية والطلابية والأكاديمية حول العالم بتعظيم الجهود والضغط على حكوماتهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة التي تؤدي إلى إدخال الغذاء والدواء بإشراف الأمم المتحدة دون أي شروط مسبقة.

دعت المنظمة الشعوب العربية والإسلامية إلى الضغط على الأنظمة الرسمية التي تلتزم صمتا مطبقا إزاء الأحداث الجارية، فلا مؤتمرات تُعقد ولا بيانات تُصدر للتنديد بهذه الجرائم المستمرة، إن جريمة التجويع المرتكبة تستلزم التفكير بشكل استثنائي لمواجهة هذه الجريمة غير المسبوقة.

يجب على الدول الأعضاء في الجمعية العامة عقد جلسة خاصة طارئة، ليس في نيويورك، بل على الحدود مع قطاع غزة في مدينة رفح المصرية، لاتخاذ قرارات وتدابير عجز مجلس الأمن عن اتخاذها، والشروع في تحرك قانوني لمحاكمة الاحتلال على جرائمه بحق شعب أعزل محاصر.

إعلان

فهل يتحرك الضمير الإنساني قبل أن تتحول غزة إلى مقبرة جماعية لسكانها؟ أم يستمر العالم في طمس الحقيقة تحت وطأة الصمت والنفاق؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان