من وارسو إلى غزة.. مقاومة واحدة ضد الاحتلال والظلم

المقاومة تدمر آليات إسرائيلية بغزة ومروحيات الاحتلال تجلي جنودا مصابين (youtube/aljazeera)
المقاومة تدمر آليات إسرائيلية بغزة ومروحيات الاحتلال تجلي جنودا مصابين (مواقع التواصل الاجتماعي)

في مثل هذا اليوم، الأول من أغسطس/ آب 1944، اندلعت واحدة من أكثر الانتفاضات الوطنية شهرة وملحمية في التاريخ الأوروبي الحديث: انتفاضة وارسو.

فقد خرج سكان العاصمة البولندية، تحت قيادة جيش الوطن (Armia Krajowa)، لمقاومة الاحتلال النازي الألماني الذي كان يفرض حكمه على بولندا منذ 1939.

وعلى الرغم من التفوق الساحق لقوات الاحتلال في العتاد والقوة الجوية والعدد، اختار آلاف المدنيين والمقاتلين البولنديين الوقوف في وجه آلة القمع النازية، مدفوعين بحب الوطن، وبالرغبة في نيل الحرية والكرامة، وبالتمسك بالأرض والهُوية.

المقاومة الفلسطينية، مثلها مثل المقاومة البولندية، ليست اختيارا بل ضرورة، فرضها واقع الاحتلال والاستعمار والعدوان المستمر منذ أكثر من سبعة عقود

دامت انتفاضة وارسو 63 يوما، كانت خلالها المدينة ميدانا للبطولة والمعاناة في آن واحد. أكثر من 200 ألف مدني قُتلوا، وهُدمت معظم أحياء المدينة، وتعرضت البنية التحتية للتدمير الشامل.

لم يكن في يد المقاومين سوى أسلحة خفيفة، في مقابل دبابات وطائرات ومدفعية ثقيلة. لكنهم صمدوا، لأنهم كانوا يؤمنون بأن الحرية تستحق التضحية، وأن من حق الإنسان أن يعيش بكرامة على أرضه، دون قمع واحتلال وتهجير.

واليوم، بعد مرور 85 عاما على تلك الانتفاضة البطولية، وبينما يحيي الشعب البولندي هذه الذكرى الوطنية بكل ما تحمله من رمزية ومعانٍ، لا يمكن للضمير الحي أن يغض الطرف عن مأساة شعب آخر، يخوض معركة مشابهة من أجل البقاء والكرامة: الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة.

من وارسو إلى غزة، ومن 1944 إلى 2025، يتكرر مشهد الظلم والمقاومة، وإن اختلفت الأسماء والرايات. فاليوم، غزة تعيش ما عاشته وارسو: حصارا خانقا، تدميرا منهجيا، قتلا جماعيا للمدنيين، استهدافا للمستشفيات والمدارس، وتجويعا متعمدا للسكان.

إعلان

المقاومة الفلسطينية، مثلها مثل المقاومة البولندية، ليست اختيارا بل ضرورة، فرضها واقع الاحتلال والاستعمار والعدوان المستمر منذ أكثر من سبعة عقود.

في وارسو، كان الاحتلال الألماني يهدف إلى تدمير العاصمة البولندية، ومحو الهوية الوطنية، وتهجير السكان أو قتلهم. وفي غزة، الاحتلال الإسرائيلي يمارس سياسة مشابهة: تجريفا للأراضي، قصفا متواصلا، إبادة عائلات بأكملها، منع دخول الغذاء والدواء، وتضييق الخناق على الناس حتى في أبسط ضروريات الحياة.

في كل مرة يتحدث فيها الاحتلال عن "الدفاع عن النفس"، نشهد مجازر جديدة ترتكب بحق النساء والأطفال، بحجة القضاء على "الإرهاب"، تماما كما كان النازيون يبررون جرائمهم ضد المقاومين والمدنيين في وارسو.

كما لم يقبل البولنديون بأن يعيشوا عبيدا تحت نير النازية، لا يمكن ولا ينبغي مطالبة الفلسطينيين بأن يرضخوا لواقع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني

لكن كما أن العالم اليوم يحيي انتفاضة وارسو بوصفها مثالا على الشجاعة والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال النازي، يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا ونسمي ما يجري في فلسطين باسمه الحقيقي: نضال من أجل التحرر، ومقاومة مشروعة لاحتلال عنصري استيطاني.

الشعب البولندي يعرف جيدا معنى الاحتلال، والتهجير القسري، والقمع، والإذلال، وتدمير المدن. ولهذا فإن الذاكرة البولندية الجماعية يجب أن تكون حافزا أخلاقيا للتضامن مع الشعوب التي تعيش اليوم نفس المأساة. فكما لم يقبل البولنديون بأن يعيشوا عبيدا تحت نير النازية، لا يمكن ولا ينبغي مطالبة الفلسطينيين بأن يرضخوا لواقع الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

ولعل المقارنة المؤلمة بين وارسو وغزة تزداد وضوحا حين نرى كيف يتعامل الإعلام العالمي والسياسة الدولية مع القضيتين. ففي حين يُحتفى بالمقاومة البولندية كبطولة وطنية وحق تاريخي، توصف المقاومة الفلسطينية بأنها "إرهاب"، وتُفرض العقوبات على من يدعمها، وتُموَّل آلة القتل التي تسحق الشعب الفلسطيني. هذا التناقض الأخلاقي الفاضح يكشف مدى نفاق المعايير الغربية، ويضع البشرية أمام اختبار ضمير عسير.

المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها، هي استمرار طبيعي لتاريخ البشرية في مقاومة الطغيان. وهي ليست "إرهابا"، بل صرخة حياة في وجه مشروع استعماري

إن إحياء ذكرى انتفاضة وارسو لا يمكن أن يكون مجرد طقس تاريخي محلي، بل يجب أن يكون لحظة تأمل إنساني عالمي، نراجع فيها مواقفنا من كل أشكال الاحتلال، ونحدد فيها موقعنا من الصراع بين الظالم والمظلوم، بين الجلاد والضحية، بين من يقاتل من أجل الهيمنة ومن يقاتل من أجل البقاء.

إن الشعب الفلسطيني، كما كان الشعب البولندي قبل عقود، لا يطلب الشفقة، بل العدالة. لا يريد مساعدات مشروطة، بل يريد حريته. لا يسعى إلى تدمير أحد، بل إلى استعادة أرضه وحقوقه الوطنية المشروعة.

المقاومة الفلسطينية، بكل أشكالها، هي استمرار طبيعي لتاريخ البشرية في مقاومة الطغيان. وهي ليست "إرهابا"، بل صرخة حياة في وجه مشروع استعماري يريد طمس كل ما هو فلسطيني.

وكما أن انتفاضة وارسو لم تُقَم لإبادة أحد، بل للدفاع عن كرامة وحرية الشعب البولندي، كذلك لا تهدف المقاومة الفلسطينية إلى محو أحد، بل إلى إنهاء الاحتلال، وتحقيق تقرير المصير، وعودة اللاجئين، وقيام دولة فلسطينية حرة على ترابها الوطني.

إعلان

وفي هذه الذكرى، نوجه التحية إلى أبطال وارسو الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية، وإلى أبطال غزة الذين يقفون اليوم في وجه القصف والدمار والموت الجماعي دون أن يتخلوا عن حلمهم في الحرية والعودة. إن كرامة الإنسان واحدة، سواء كان في بولندا أو فلسطين، وإن الظلم واحد، مهما تغيّرت لغته وزيّه وأسلحته.

في النهاية، نقول:

المجد لشهداء وارسو الذين كتبوا التاريخ بدمائهم.
والمجد لشهداء فلسطين الذين يكتبون الحاضر بدموعهم وصمودهم.
ولن يكون هناك سلام في العالم، ما دام هناك احتلال واستعمار واضطهاد. من وارسو إلى غزة؛ المقاومة مستمرة، والحرية قادمة لا محالة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان